في كأس العالم هذا، كان الخاسر الأكبر هو مجتمع الميم عين في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

 

كتابة: نورا نورالله 

 

لقد نجحت قطر في عام ٢٠١٠ في طلبها لاستضافة كأس العالم، ومؤخراً فقط أبدت وسائل الإعلام الغربية وفرق كرة القدم قلقها بشأن حقوق مجتمع الميم عين خلال كأس العالم. لم يأتي هذا القلق المفاجئ بشأن حقوق مجتمع الميم عين من باب الاهتمام الحقيقي بأفراد مجتمع الميم عين في المنطقة ولكن فقط بعد أن قام المشجعون/ات الغربيون/ات من مجتمع الميم عين بإبداء قلقهم/ن بشأن حضور كأس العالم، بسبب قوانين قطر المناهِضة لمجتمع الميم عين. بينما تستحق قطر الكثير من الانتقادات لسجلها بخصوص حقوق مجتمع الميم عين، فقد سمح لها الغرب بصرف معظم هذا النقد بسبب التغطية الخرقاء المتمحوِرة حول الغرب.

وكان لدى وسائل الإعلام الغربية وفرق كرة القدم العديد من الخيارات فيما يتعلق بحقوق مجتمع الميم عين في كأس العالم؛ كان بإمكانهم استخدام كأس العالم لترديد أصوات حركة حقوق مجتمع الميم عين في المنطقة أو تسليط الضوء على الانتهاكات التي يواجهها الأشخاص من مجتمع الميم عين. بدلاً من ذلك، اختاروا الخيار الأسوأ الممكن، وهو التركيز على الأداءات التمثيلية المتمحوِرة حول الغرب والتي أضرت بأفراد مجتمع الميم في المنطقة.

لقد قام سرد مجتمع الميم عين المتمحوِر حول الغرب خلال كأس العالم بتركيز الاهتمام بشكلٍ أساسيٍ على الحفاظ على صورةٍ أخلاقيةٍ أمام الجمهور الغربي. تُشير الحركات التمثيلية المتمحوِرة حول الغرب للفِرَق المشارِكة في هذه الرواية إلى أنها كانت مهتمةً بشكلٍ أساسيٍ بإيجاد مبررٍ أخلاقيٍ للعب في كأس عالمٍ فائضٍ بانتهاكاتٍ للحقوق الإنسانية.

يتم انتقاد حركة النشاط المتمحوِرة حول الغرب لكونها ضارةً، لفشلها في فهم السياقات المحلية، ولمعاملة الحقوق الإنسانية على أنها تصدير من الغرب إلى الشرق، وليس شيئًا بإمكانه أن يَنتُج محليًا. وهكذا، اتجهت الحركة العالمية للحقوق الإنسانية في العقود الأخيرة نحو إنهاء الاستعمار في تنظيم الحقوق الإنسانية من خلال التركيز بشكلٍ أكبر على دعم الجماعات الحقوقية المحلية التي تَعرِف أفضل الطرق لوضع الاستراتيجيات وفقا لسياقاتها.

ومع ذلك، يبدو أن وسائل الإعلام الغربية وفِرَق كرة القدم لم تفهم تلك النقطة، لأن النقاش الذي اتبعوه يعكس كل ما هو خاطئ في النشاط المتمحوِر حول الغرب. ذهب الغرب إلى كأس العالم بعُقْدَة المنقِذ الأبيض، معتقدين أنهم فقط بإمكانهم إنقاذ أفراد مجتمع الميم عين في المنطقة، متجاهلين وجود حركةٍ إقليميةٍ قوية.

ربما لا يوجد مثال أفضل على عُقدة المنقِذ الأبيض مما فعله بيتر تاتشيل، الناشط البريطاني لمجتمع الميم عين، قبل أسابيعٍ فقط من بداية كأس العالم. قرر السيد تاتشيل أداء حيلةٍ أثناء مروره عبر مطار الدوحة الدولي ونظم “احتجاجًا” لشخصٍ واحدٍ ضد سِجِل قطر لمجتمع الميم عين. بينما احتفلت وسائل الإعلام الغربية بشجاعة السيد تاتشيل المفترَضة، انتقد بعض نشطاء المنطقة أفعاله باعتبارها لا شيء سوى نشاط المنقِذ الأبيض المتمحوِر حول الغرب. كان السيد تاتشيل يعلم أن امتيازاته الغربية ستحميه من أي أذىً من قبل السلطات القطرية. بالإضافة إلى ذلك، تم الكشف لاحقًا عن أن السيد تاتشيل كان على اتصالٍ بأشخاصٍ من مجتمع الميم عين المقيمون/ات في قطر، والذين طلبوا/ن منه عدم القيام بمثل هذه الحيلة من أجل سلامتهم/ن.

في وقتٍ لاحق، دخلت سبعة فِرَقٍ أوروبيةٍ في معركةٍ مؤسِفةٍ مع فيفا بسبب ارتداء رابطة ذراع حب واحد خلال مبارياتهم. زعمت الفِرَق أن هذه كانت طريقتهم في “إظهار الدعم” لأفراد مجتمع الميم عين في المنطقة. ومع ذلك، في اللحظة التي هددت فيها فيفا ببطاقةٍ صفراء؛ تراجعت الفرق وقررت عدم ارتداء رابطة الذراع. قرر الفريق الألماني القيام بأداءٍ تمثيليٍ نهائيٍ واحدٍ عندما غطى لاعبوه أفواههم في كأس العالم احتجاجًا على تقييد فيفا لحريتهم في التعبير.

يعرف أولئك المطلعون/ات على حقوق مجتمع الميم عين في المنطقة أن كل هذه الأعمال التي تتمحور حول الغرب هي ضارة بأفراد الميم عين في المنطقة، لأنها تُغذي الاعتقاد بأن حقوق مجتمع الميم عين هي جزء من حربٍ ثقافيةٍ أكبر بين الشرق الأوسط والغرب. إن الخلاف القطري حول هذه القضية خلال كأس العالم هو الأكثر شيوعًا بين الحكام الاستبداديين والأطراف المحافِظة. في السنوات الأخيرة، عملت هذه الأطراف على فصل حقوق مجتمع الميم عين عن الحقوق الإنسانية من خلال تصوريها على أنها مشكلة ثقافية وأيديولوجية. في حين أن الحقوق الإنسانية قابلة للتفاوض، فإن الثقافة شيء يجب احترامه.

وبالتالي، يتم تأطير أفراد ونشطاء مجتمع الميم عين في المنطقة على أنهم/ن “اختراعات أو عملاء غربيون/ات” يهدفون/ن إلى نشر الفجور الغربي في المجتمع. في عام ٢٠٢٢، حَظَرت عِدة دولٍ في المنطقة، بما فيهم قطر، الأفلام الغربية لتمثيلها لأفراد مجتمع الميم عين وشَنت حملة ضد “ألعاب قوس قزح“، مدعيةً أن هذه الألعاب هي جزء من مؤامرةٍ غربيةٍ لإفساد الأطفال. في خلال ذلك، بدأت حملة كبيرة مناهِضة لمجتمع الميم عين على وسائل التواصل الاجتماعي تسمى “فطرة” في مصر وانتشرت بسرعةٍ في جميع أنحاء المنطقة، واكتسبت ملايين المؤيدين/ات وزعمت أن هناك “أجندة غربية” لإفساد الشباب.

المثير للاهتمام في هذا النقاش هو أنه يدعي دائمًا أن الحقوق الإنسانية الأساسية للجميع مضمونة، وأن هذا ليس خطاب كراهيةٍ أو دعوةً للعنف ضد مجتمع الميم عين، ولكنه دعوة للحفاظ على ثقافة الشرق الأوسط والقيم الاجتماعية من المبادئ الغربية. لا يختلف هذا النقاش أيضًا عن النقاش العالمي المناهِض لمجتمع الميم عين، والذي غالبًا ما يستخدم الشباب والأطفال كرمزٍ للحد من حقوق مجتمع الميم ونشر خطاب الكراهية ضد أفراد مجتمع الميم عين.

عند الوصول إلى كأس العالم، استفاد الممثلون/ات المناهِضون/ات لمجتمع الميم عين في المنطقة بالشكل الأكبر من التغطية الخرقاء وأحيانًا العنصرية الصريحة للحدث. لم تفشل وسائل الإعلام الغربية في فهم السياقات المحلية فحسب، بل شددت أيضًا على خلاف الحرب الثقافية لمجتمع الميم عين بين الغرب والشرق. سرعان ما اختار الممثلون/ات المناهِضون/ات لمجتمع الميم المبادئ والمصطلحات بعد الاستعمار لهدفهم/ن، مدعين/ات أن التغطية الإعلامية الغربية هي شكل من أشكال الاستعمار الثقافي الجديد وكراهية الإسلام، وأن “الرجل الأبيض” يحاول فرض أيديولوجية مجتمع الميم عين عليهم/ن. بالإضافة إلى ذلك، كانت الجهات الفاعلة المناهِضة لمجتمع الميم في المنطقة تعلم بالفعل أن مجتمعات الشرق الأوسط سئمت من وَعْظ الغرب بشأن الحقوق الإنسانية، خاصة بعد التغطية العنصرية لحرب أوكرانيا. لم يستطع بعض المراسلين/ات إلا الإشارة إلى أن الناس يجب أن يهتموا بهذه الحرب لأنها تشمل الأوروبيين/ات المتحضرين/ات، وليس السوريين/ات أو العراقيين/ات.

وبالتالي، يبدو أن النقاش المتمحوِر حول الغرب خلال كأس العالم قد أضر بأفراد مجتمع الميم عين في المنطقة أكثر من أي شيءٍ آخر. أطلقت الكويت والعراق المجاورتان بالفعل حملة وطنية ضد مجتمع الميم عين ردًا على ما حدث خلال كأس العالم. من المحتمل أن تحدث المزيد من الحملات المناهِضة لمجتمع الميم التي ترعاها الدولة في جميع أنحاء المنطقة بعد كأس العالم. عندما يختفي الاهتمام، سيبقى أفراد مجتمع الميم عين وهم/ن يحملون/ن الحقيبة، كما قال رجل كويري يعيش في قطر لرويترز، “ماذا يحدث عندما تنتهي كأس العالم؟ هل يتوقف التركيز على الحقوق؟” 

إذًا، هل فات الأوان لمساعدة أفراد مجتمع الميم في المنطقة؟ لا، ليس بعد. يجب أن يبدأ الغرب بإسقاط أدائه التمثيلي للمنقِذ الأبيض والاعتراف بوجود حركة مجتمع الميم عين الإقليمية القادرة. في العقود الماضية، تطورت حركة حقوق مجتمع الميم عين في المنطقة لإثبات نفسها كمنافسٍ جديرٍ للجهات الفاعلة المناهِضة لحقوق مجتمع الميم عين في المنطقة. لقد نجحت هذه الحركة في اختراع وحدةٍ سياقيةٍ من النشاط تستمد قوتها من احتياجات أفراد الميم عين في المنطقة وليس النشاط المتمحوِر حول الغرب.

تحتفل هذه الوحدة بالتاريخ والأشخاص الكويريين/ات في المنطقة وتُركز على تطبيع هويات الكويريين/ات داخل المجتمع الأكبر لمكافحة سرود “الاختراع الغربي”. تتطلب هذه الوحدة أيضًا من الغرب التحالف في نضالهم/ن من أجل التحرير الكويري؛ ومع ذلك، فإن التحالف مختلف تمامًا عما حدث خلال كأس العالم. يجب على أولئك الذين يهتمون حقًا بحقوق مجتمع الميم عين في المنطقة قضاء المزيد من الوقت في الاستماع والتعلم من أفراد مجتمع الميم عين في المنطقة لمعرفة أفضل الطرق لدعمهم/ن. بينما كان السيد تاتشيل مشغولاً بالقيام بحيلته الإعلامية، نشرت هيومان رايتس واتش تقريرًا يوضح بالتفصيل الانتهاكات التي يواجهها مجتمع الميم في قطر، باستخدام العالم للفت الانتباه إلى هذه القضية. يوضح لك هذان المثالان الفرق بين الحليف والمنقِذ الأبيض المتمحوِر حول الغرب.

يجب أن يدرك الغرب أيضًا أنه لم يقم باختراع حقوق مجتمع الميم عين وأن ليس لديه احتكار لكيفية انتشارها. على العكس ذلك، لعِب الغرب دورًا مهمًا في القضاء على هويات مجتمع الميم عين على مستوى العالم خلال فترة الاستعمار. إن حقوق مجتمع الميم عين الحديثة ليست مسألةً قائمةً وحدها، لأنها تنبع من الحقوق الإنسانية الأساسية مثل الحقوق في الخصوصية، المساواة، وعدم التمييز. وبالتالي، من الضروري عند محاولة الترويج لمجتمع الميم عين خارج السياقات الغربية تقاطع حقوق مجتمع الميم عين مع الحقوق الأساسية الأخرى لكسب المزيد من القبول من المجتمع.

أخيرًا، من المتوقع أن تحقق فيفا إيراداتٍ بقيمة ٧,٥ مليار دولار أمريكي من كأس العالم هذا. في الوقت نفسه، فإن مكافأة المشارِك لأي فريقٍ قد لعب في كأس العالم لهذا العام هي ٩ ملايين دولار؛ يزداد إذا تقدم الفريق إلى مراحل خروج المغلوب. وفي الوقت نفسه، وفقًا لمشروع العمل الخيري العالمي (GPP)، وهي مجموعة خيرية تعمل على توجيه التمويل العالمي لمجتمع الميم عين، كانت حركة مجتمع الميم عين في المنطقة هي المنطقة الأقل تمويلًا في العالم فيما يتعلق بتمويل مجتمع الميم عين، مع ٨,٧ مليون دولار سنويًا في عام ٢٠٢٠.

ومن الضروري ترجمة الكلمات والرموز الداعِمة إلى أفعالٍ ملموسة. حتى لو كانت فيفا أقل ميلًا للتبرع لقضايا الحقوق الإنسانية، يجب على الفِرَق الفردية أن تأخذ القيادة وتفعل ذلك. أعلنت الفرق السبعة المشارِكة في جدل ربطة ذراع حب واحد قبل ذلك أنهم على استعداد لدفع غرامات لارتداء الرابطة. لذلك، ربما بدلاً من دفع غرامات إلى فيفا، يجب عليهم التبرع بجزءٍ من مكاسبهم لدعم حقوق مجتمع الميم عين في المنطقة.