المحكمة الابتدائية بتونس: اضطراب الهوية الجندرية ليس سببا لتغيير الجنس في الوثائق الرسمية

كتابة: نورا نورالله

تاريخ: 30/01/2024 

في حكم صدر مؤخرًا بتاريخ 24 أبريل 2023، رفضت المحكمة الابتدائية بتونس منح الاعتراف القانوني بالهوية الجندرية لرجل عابر جنسيًا. أكدت المحكمة بذلك عدم وجود أدلة كافية على وجود حالة طبية بيولوجية ولذلك رفضت الاعتراف باضطراب الهوية الجندرية واعتبرته مرضًا عقليًا لا ينطبق عليه معايير الاعتراف القانوني بالهوية الجندرية. واستندت المحكمة في تعليلها إلى القانون المقارن من مصر,المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسانECHR ، وفتاوى دينية من المرجع الإسلامي المصري الموقر، دار الإفتاء.

وقدم المدعي، أحمد، تقارير طبية تثبت معاناته الطويلة مع اضطراب الهوية الجندرية منذ الطفولة على الرغم من خضوعه لعلاج مكثف دون جدوى. اتخذ أحمد قرارًا بالعبور الجنسي والمتابعة من خلال الرعاية الصحية الطبية المخصصة للعابرين/ات. إلا أن القيود المالية وخيارات الرعاية الصحية المحدودة في تونس أدت إلى تحديات، مما جعل من الصعب إجراء عبور طبي كامل دون طلب العلاج في الخارج.

هدفت المحكمة في بداية حكمها إلى وضع تعريف للمسألة المطروحة، والتي يشار إليها باسم “تغيير الجنس”. وتأكيدًا على غياب التشريع المتعلق بالاعتراف القانوني بالهوية الجندرية للأفراد العابرين/ات جنسيًا، فحصت المحكمة التعريفات الحالية من وجهة نظر طبية ومن منظور المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان لتستنتج أنه لا يوجد توصيف ثابت لـ “تغيير الجنس”. ومع ذلك، فقد وصفت الحالة على النحو التالي: “حالة يعتقد فيها الفرد بقوة أن جنسه يختلف عن الجنس المحدد له عند الولادة ويمكن الإشارة إليه باسم Transsexulaism”

وعند الإشارة إلى قضايا تونسية أخرى، أقرت المحكمة بمناقشة هذه المسألة في القضية رقم 10298 لسنة 1993 بمحكمة الاستئناف والقضية رقم 12304 لسنة 2018 أمام المحكمة الابتدائية بتونس. وكشف تحليل هذين الحكمين عن آراء قانونية متناقضة. حيث رفضت القضية الأولى طلب الاعتراف القانوني بالهوية الجندرية، وقبلته القضية الثانية. وبالتالي، قررت المحكمة عدم وجود سابقة قانونية ثابتة، خاصة وأن هذه الأحكام صدرت عن محاكم ابتدائية وليس عن محكمة التعقيب التونسية. وبالتالي، يجب على المحكمة أن تتداول هذه القضية بشكل مستقل دون الاعتماد على الأحكام السابقة.

انخرطت المحكمة في مناقشة مستفيضة بشأن المعايير الدولية المتعلقة بالاعتراف القانوني بالهوية الجندرية للأفراد العابرين/ات جنسيًا، مع التركيز بشكل خاص على التوجيه الذي قدمته المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. قررت المحكمة بشكل قاطع أن الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان قد وسعت نطاق الحق في حماية الحياة الخاصة، على النحو المبين في المادة 17 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والمادة 8 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، لتشمل الحق في الاعتراف القانوني بالهوية الجندرية للأفراد العابرين/ات. علاوة على ذلك، أدخلت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان مصطلحات جديدة، مثل “الهوية الجندرية”، في حين لم تحدد المسألة صراحة في نص قانوني، مما جعل هذا الاتجاه مجرد رأي للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.

علاوة على ذلك، أقرت المحكمة بغياب تعريفات واضحة لحقوق الإنسان والحريات ومع ذلك، أقرت المحكمة بشكل عام بأنها تشمل الحقوق الاجتماعية والمدنية والسياسية التي يكفلها الدستور التونسي. إلا أن المحكمة لم تعتقد أن هذا الضمان يمتد ليشمل مسألة “تغيير الجنس”. أثارت المحكمة مسألة ما إذا كانت الحقوق الاجتماعية يمكن أن توسع نطاق القضية للسماح بالاعتراف القانوني بالهوية الجندرية للأفراد العابرين/ات جنسيًا. وبعد دراسة متأنية، خلصت المحكمة إلى أن هذا السماح يتجاوز الحق في حماية الحياة الخاصة، لأنه يمس حقوق الآخرين. وبعبارة أخرى، فإن حق الفرد في الحياة الخاصة وحمايتها يفوقه الحقوق العامة للمجتمع الأكبر.

وفي مداولات أخرى، فحصت المحكمة الحالة الطبية للمدعي كأساس لاستنتاجها، مؤكدة في النهاية أن في حالات اضطراب الهوية الجندرية، حق الفرد في الاعتراف القانوني بهويته الجندرية لا يفوق الحقوق الاجتماعية الشاملة للمجتمع الأكبر. واكدت المحكمة أن المدعية كانت أنثى عند الولادة وطورت خصائص أنثوية خلال فترة البلوغ، بما في ذلك نمو الثدي والحيض بالإضافة إلى كون الدورة الشهرية غير المنتظمة الخلل البيولوجي الوحيد. وسلطت المحكمة الضوء أيضًا على العلاجات الطبية المؤكدة للهوية الجندرية التي خضعت لها المدعية والتي تتكون من العلاج بالهرمونات البديلة وبعض العمليات الجراحية. ومع ذلك، أكدت المحكمة أن المدعي أشار إلى عدم اكتمال عملية عبوره لأنه لم يخضع لعملية رأب القضيب (فالوبلاستي). وبناء على ذلك، وبناء على أقوال المدعية والتقارير الطبية المقدمة إلى المحكمة، قررت المحكمة أن المدعية تتمتع بخصائص بيولوجية أنثوية كاملة النمو عند دخولها لمرحلة البلوغ التقليدي. كانت العلاجات التي تلقاها المدعي مدفوعة في المقام الأول برغبة نفسية في التحول إلى الجنس الآخر وليس ضرورة بيولوجية.

وبمجرد التأكد من أن حالة المدعي كانت “عقلية” وليست “بيولوجية”، شرعت المحكمة في دراسة الأمر من منظور الشريعة الإسلامية. وبذلك استندت المحكمة إلى المبدأ الفقهي الإسلامي الأساسي المتمثل في أن “الضرورات تبيح المحرمات”. وبتطبيق هذا المبدأ على القضايا التي تنطوي على “تغيير الجنس”، خلصت المحكمة إلى أن “تغيير الجنس” لا يمكن السماح به إلا عندما يكون لا غنى عنه لحماية سلامة الفرد في حالات الضرورة الطبية المطلقة. ووفقاً لتفسير المحكمة، فإن الوضع الوحيد الذي يمكن السماح فيه بـ “تغيير الجنس” بموجب الشريعة الإسلامية هو الحالات التي تشمل أفراداً مزدوجي الجنس (الانترسكس)، نظراً لأن حالتهم متجذرة بيولوجياً ولا يمكن “معالجتها” دون تدخل جراحي، على عكس الأفراد المتحولين جنسياً.

ولدعم تأكيدها، أشارت المحكمة إلى موقف القضاء المصري ودار الإفتاء حيث ترفض كلتا الهيئتين ما تسميه “التغيير الجنسي”، والذي يتعلق بالرعاية الصحية التي تؤكد الهوية الجندرية  للأفراد العابرين/ات جنسيًا، وبدلاً من ذلك تؤيد فقط ما تشير إليه باسم “تصحيح الجنس”، والذي يشمل العمليات الجراحية التي تهدف إلى مواءمة الأفراد مزدوجي الجنس (الانترسكس) مع إحدى الجنسين. والجدير بالذكر أن المحكمة خصت موقف دار الإفتاء الذي يصنف أي إجراء يغير جنس الفرد على أنه محرم في الإسلام ما لم يتم إجراؤه “لكشف ما هو مخفي من الأعضاء الجنسية الحقيقية بسبب الإعاقة الخلقية” لدى الأفراد ثنائيي الجنس (الانترسكس) وليس نتيجة مجرد الرغبة في تغيير الجنس، كما في حالة الأفراد العابرين/ات جنسيًا.

اعترفت المحكمة ببعض السوابق القانونية المقارنة التي تقدم أدلة على أن بعض الولايات القضائية قد تسمح بالاعتراف القانوني بالهوية الجندرية للعابرين/ات. ومع ذلك، فقد طرحت المحكمة سؤالاً بالغ الأهمية: “إلى أي مدى يجوز تعديل جنس الفرد على أساس ميل نفسي للقيام بذلك، وكيف يمكننا أن نعطي الأولوية لمشاعر الفرد الداخلية على خصائصه البيولوجية الواضحة؟”

ونظراً لأن الأحكام القانونية ترتكز على أدلة ملحوظة وقابلة للإثبات بدلاً من العواطف الذاتية، وجدت المحكمة أنه من المستحيل إصدار حكم يعتمد على “المشاعر” فقط. علاوة على ذلك، شككت المحكمة في التزام المدعي بالخضوع لرعاية صحية المؤكدة للهوية الجندرية والسعي للاعتراف القانوني بالهوية الجندرية، لا سيما بسبب عدم وجود إجراء عملية رأب القضيب (فالوبلاستي). ومن وجهة نظر المحكمة، فإن هذا الافتقار إلى اليقين فيما يتعلق بالعبور الطبي الكامل للمدعي يجعل من الممكن الرجوع عنه، مما يترك الباب مفتوحًا أمام إمكانية رغبتهم في العودة إلى “جنسهم البيولوجي الأصلي” في المستقبل. ووفقا للمحكمة، فإن هذا السيناريو يمكن أن يؤدي إلى أحكام قانونية متناقضة، وارتباك واسع النطاق، وإلحاق الضرر بالمجتمع ككل.

ومن ثم، وبناء على الحجج المذكورة أعلاه، رفضت المحكمة طلب المدعية بالاعتراف القانوني بجنسها.

استمدت المحكمة أساسها المنطقي من القضايا السابقة، ولا سيما قضية محكمة الاستئناف، التي يشار إليها عادة باسم قضية سامية، وقضية المحكمة الابتدائية بتونس، والمعروفة شعبيا باسم قضية ريان. وعلى الرغم من أن منطق المحكمة يبدو منحرفًا عن الحالة الأخيرة، حيث تمت الموافقة على طلب الاعتراف القانوني بالهوية الجندرية للمدعي، فقد تم الاستناد إلى القانون الإسلامي والقانون المقارن في تحليل وبناء حجج المحكمة. والأهم من ذلك، في قضية ريان، استندت المحكمة إلى “قاعدة الضرورات تبيح المحظورات” للوصول إلى استنتاجها، كما هو الحال هنا أيضًا. تكمن الاختلافات الرئيسية في المستندات الطبية المقدمة من المدعين في كلتا الحالتين. وفي حالة ريان، تم تقديم وثائق طبية تثبت أن ريان حاول الانتحار بسبب رفضهم العميق لجسدهم والحاجة الملحة إلى العبور الجنسي.

وبالتالي، أدركت المحكمة أن رفض الاعتراف القانوني بالهوية الجندرية يمكن أن يؤدي إلى محاولات انتحار متكررة وإلحاق ضرر كبير بريان. بالإضافة إلى ذلك، كشفت الوثائق الطبية في قضية ريان أنهم خضعوا لعملية راب القضيب (فالوبلاستي) وتمكنوا من ممارسة الجنس بانتظام مع شريكهم، وهو ما اعتبرته المحكمة دليلاً على العبور الكامل والتغيير الذي لا رجعة فيه. وقد جعلت هذه الأدلة الطبية الأمر أكثر وضوحًا في قضية ريان لاستدعاء القانون الدولي لحقوق الإنسان وأحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، وعلى وجه الخصوص، الشريعة الإسلامية لتبرير الاعتراف القانوني بالهوية الجندرية.

أدى عدم وجود وثائق طبية مماثلة في هذه القضية إلى ميل المحكمة نحو رفض الاعتراف القانوني بالهوية الجندرية لسببين رئيسيين. أولاً، أكدت المحكمة على إمكانية عكس العلاجات التي خضع لها المدعي، وثانيًا، عدم وجود ضرورة طبية لتلبية متطلبات الشريعة الإسلامية للرعاية الصحية التي تؤكد الهوية الجندرية والاعتراف القانوني بها. ومع ذلك، فإن هذا النهج يثير سؤالاً حاسمًا: هل كانت المحكمة ستعتبر المدعي مستوفيًا لشرط الضرورة إذا كانت هناك أدلة على محاولات انتحار، كما في قضية ريان؟ ومن الممكن أن تكون المحكمة قد اضطرت إلى معالجة هذه المسألة. ومع ذلك، فمن غير المرجح أن تكون محاولات الانتحار وحدها قد أدت إلى تغيير الأساس المنطقي للمحكمة لرفض طلب الاعتراف القانوني بالهوية الجندرية للمدعي.

ومن الجدير بالذكر أن المحكمة استخدمت أسلوبًا مثيرًا للاهتمام في المنطق لدحض حق المدعي في الخصوصية من خلال استخدام ما يمكن وصفه بأنه “مبدأ التوازن العادل. فعادة ما تقوم المحاكم بطرح مسألة كيفية تحقيق التوازن العادل بين الحقوق الأساسية للفرد والحقوق الأوسع للدولة والمجتمع.

في هذه القضية، طرحت المحكمة سؤالًا حاسمًا: هل يمكن تقييد الحق في الاعتراف القانوني بالهوية الجندرية والرعاية الصحية التي تؤكد الهوية الجندرية لصالح المجتمع التونسي ككل؟ وأجابت المحكمة على هذا السؤال بالإيجاب. ومع ذلك، فإن الأساس المنطقي وراء هذه الإجابة يفتقر إلى التوضيح والتماسك المنطقي. وبينما استشهدت المحكمة بالعقيدة الإسلامية المصرية للتأكيد على أن عبور المدعي ينتهك الشريعة الإسلامية، إلا أنها لم تذكر بوضوح أن مثل هذا الانتهاك من شأنه أن يقيد الحقوق الفردية للمدعي في خدمة المجتمع الأكبر، بل تشير ضمنًا فقط إلى ذلك. علاوة على ذلك، أكدت المحكمة على غياب عملية رأب القضيب (فالوبلاستي) كمؤشر على عدم يقين المدعي بشأن هويته الجنسية وقدرته المحتملة على العودة إلى “جنسه البيولوجي”.

ومع ذلك، تجاهلت المحكمة حقيقة أن المدعي قد اتم عملية العبور طبيبا بالكامل من خلال التدخلات الطبية الأخرى، مثل العلاج بالهرمونات البديلة والعمليات الجراحية الكبيرة مثل الجراحة العلوية لإزالة الثديين، بالإضافة إلى نية المدعي المعلنة للخضوع لعملية رأب القضيب (فالوبلاستي) في المستقبل. والجدير بالذكر أن المحكمة فشلت في النظر في القيود المفروضة على نظام الرعاية الصحية التونسي، الذي لا يوفر خيارات للرعاية الصحية التي تؤكد الهوية الجندرية، مما يستلزم من الأفراد العابرين/ات جنسياً طلب العلاج في الخارج. وقد ثبت ذلك في حالات سابقة، حيث خضعت سامية للعمليات المؤكدة الهوية الجندرية في إسبانيا، وتابع ريان العلاج في ألمانيا.

علاوة على ذلك، في محاولتها لمعالجة المسألة المطروحة، أهملت المحكمة عمدًا فحص الضرر الكبير الذي قد يلحق بالمدعي إذا لم يتم منحهم الاعتراف القانوني بهويته الجندرية. يعيش المدعي كذكر ويمتلك جميع الخصائص البدنية للذكور؛ ومع ذلك، وبسبب التفاوت بين هويته الجنسية ووثائقه القانونية، فإن سبل عيشه بأكملها تتأثر. ويمنعه هذا التناقض من الحصول على العمل، أو السكن، أو الرعاية الصحية، أو التعليم. علاوة على ذلك، فإنه يجعل المدعي أكثر عرضة للمضايقات والعنف من جانب الدولة ومن غير الدولة.

وبالتالي، وعلى عكس حقوق المجتمع الأوسع، التي لم توضحها المحكمة، فإن حقوق الإنسان الأساسية للمدعي وقدرته على ممارسة الحياة اليومية في المجتمع التونسي يتم تقويضها بشكل كبير. ومن الواضح، إذن، أن التوازن العادل يميل نحو منح الاعتراف القانوني بالهوية الجندرية أكثر من تقييد حقوق الإنسان الأساسية الفردية للمدعي من أجل المجتمع الأوسع. وعلى الرغم من الأدلة المقدمة التي تثبت خطورة حرمان المدعي من الاعتراف القانوني بهويتهم وحقيقية مسألة العبور الجنسي، لجأت المحكمة إلى مبدأ التوازن العادل لحرمان المدعي من حقه في حماية حياته الشخصية وبالتالي الحق في الاعتراف القانوني بهويته الجندرية، مؤكدة أن ذلك يصب في مصلحة المجتمع. ومع ذلك، كما ذكرنا سابقًا، فشلت المحكمة في تقديم مبرر منطقي لكيفية تأثير العبور الجنسي للمدعي على المجتمع التونسي. وبدلاً من ذلك، فإن اعتماد المحكمة على الشريعة الإسلامية، ومفهوم العبور الجنسي الغير مكتمل، والضرورة الطبية يشير إلى أن الحكم تأثر بالتحيزات الاجتماعية والدينية بدلاً من أن يستند إلى فحص قانوني وطبي شامل لتحديد أي ضرر مجتمعي محتمل ناتج عن العبور الجنسي للمدعي. وبدلاً من ذلك، فمن المعقول أن المحكمة رفضت طلب المدعي خوفا من احتمال تضرر الثنائية البيولوجية المعيارية المتغايرة.

ويتجلى هذا الموقف القضائي، الذي يدعم الثنائية البيولوجية، في توصيف المحكمة لجواز معاملة “تغيير الجنس” وفقًا للشريعة الإسلامية. تسمح المحكمة بمثل هذا العلاج للأفراد ثنائيي الجنس (الانترسكس)، الذين هم بالفعل خارج الثنائي بيولوجيًا وليس لديهم أي ملاذ آخر سوى العمليات الجراحية “لتصحيح” جنسهم الثنائي، ولكنها ترفض ذلك بالنسبة للأفراد العابرين/ات جنسيًا بناءً على توافقهم البيولوجي الحالي داخل الثنائي. وبالتالي، تؤكد المحكمة أن عبور الأفراد العابرين/ات جنسيًا من شأنه أن يخل بالنظام السائد الذي يعتبر مقبولاً من قبل الفقهاء الإسلاميين، وفي هذه الحالة بالذات، من قبل المحكمة أيضًا.

ولذلك فإن هذا الحكم مثال للتوجه القضائي السائد في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والذي يتوافق في كثير من الأحيان مع مبادئ الشريعة الإسلامية لحرمان الاعتراف القانوني بالهوية الجندرية، ويؤكد في كثير من الأحيان أن الأفراد العابرين/ات جنسيًا لا ينبغي أن يحصلوا حتى على الرعاية الصحية المؤكدة للهوية الجندرية. ومن المثير للاهتمام أن المحكمة تعترف بوجود اضطراب الهوية الجندرية، والذي تشير إليه باسم “Transsexulism”. ومع ذلك، فهي تعتبره مجرد مرض نفسي ولا تدرس آثاره على الفرد العابر جنسيًا أو تنظر في خيارات العلاج المحتملة، مثل الرعاية الصحية المؤكدة للهوية الجندرية. كما يتم مواجهة مثل هذا النهج القضائي بشكل شائع في السوابق القضائية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث يتم إما تجاهل الرعاية الصحية المؤكدة للهوية الجندرية كعلاج لاضطراب الهوية الجندرية أو تتم معاقبة المدعي العابر من خلال توظيف العلاجات الأخرى مثل علاج التحويل لمعالجة “مرضهم النفسي”.

ويؤكد التحليل المقدم هنا أيضًا على ضرورة إنشاء إطار تشريعي أو سابقة قانونية ملزمة في تونس من شأنها أن تسهل تحقيق الاعتراف القانوني بالهوية الجندرية من خلال أساس قانوني ملموس بدلاً من أن يكون مرهونًا بوجهة النظر الذاتية للمحاكم الفردية. وبالتالي، من الضروري تطوير استراتيجية قوية للتقاضي الاستراتيجي من شأنها أن تؤدي إلى حكم إيجابي من خلال محكمة النقض التونسية أو المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان والتي تونس عضو فيها. في هذا الصدد، يمكن لمثل هذه الاستراتيجية الاستفادة بشكل فعال من الأحكام السابقة، بغض النظر عن نتائجها، كوسيلة لتحديد السبل القانونية الحاسمة التي يمكن من خلالها الدعوة إلى الاعتراف القانوني بالهوية الجندرية للأفراد العابرين/ات جنسيًا في تونس.