يبحث هذا المقال إلغاء أحقية طلب صاحب العمل من العامل تحاليل فيروس نقص المناعة البشري HIV. لا ينتقل فيروس نقص المناعة البشري إلا عن طريق الاتصال المباشر: الجنس المهبلي والشرجي ومشاركة السرنجات الطبية والرضاعة. يصنف الإيدز، وهو المرض الذي يسببه فيروس نقص المناعة البشري في مراحل متأخرة، كمرض متوطن، ويقع في القانون المصري تحت الأمراض المعدية، مما يعطي صاحب العمل الحق في طلب تحليل للفيروس من العمال قبل تعيينهم. يبدأ المقال بنقاش عن احتمالات العدوى في أماكن عمل متعددة وحرف متنوعة ثم ينتقل لنقاش عن قوانين العمل المصرية المختصة بالعدوى في مكان العمل بجانب الإجراءات التأديبية والاستمارات المطلوبة من العمال قبل التعيين. يتبع هذا النقاش الأهداف التي تطمح الخطة الوطنية لمكافحة مرض نقص المناعة البشري تحقيقها وكيف تتعارض الخطة مع قوانين العمل التي تطلب تحاليل للأمراض المعدية أو تأديب على أساس إصابة العامل بمرض معدي. أخيرًا يقترح التقرير إلغاء حق طلب صاحب العمل التحاليل إلا إذا كانت المهنة تعرض العاملين لخطورة عالية بالإصابة. أخيرًا يُظهر التقرير سبل الإلغاء التدريجي لتأديب صاحب العمل للعامل في حالة علم صاحب العمل بإصابة العامل بفيروس نقص المناعة البشري.
يشمل التعيين الوظيفي عدة بروتوكولات منها نموذج ١١١ والذي لا يطلب تحاليل للأمراض المتوطنة، بل يتضمن الكشف الطبي أشعة على الصدر وتحليل بول وكشف نظر وكشف باطنة وجراحة (شهادات من عاملين في القطاع الخاص). بالإضافة للنموذج، تنص مادة ١٣٥ من قانون العمل رقم ١٤ لسنة ٢٠٢٥ بأن العامل يلتزم بالخضوع للاختبارات الطبية لتعاطي المواد المخدرة والأمراض المعدية حين يطلب منه صاحب العمل ذلك. تفتح هذه الإجراءات والقوانين الباب أمام صاحب العمل ليفرق ضد المصابين والمصابات بفيروس نقص المناعة البشري. ويوثق الإعلام المصري والبحوث المستقلة حالات كثيرة من الفصل التعسفي بسبب علم صاحب العمل بإصابة عامل. ففي مقال لباسم مجدي نشر في ٢٠١٨ يُظهر أن مستشفى شاركت نتائج تحاليل طبية لمريض مع صاحب عمله بدون علم المريض، وعلى أساس الإصابة بالفيروس فصل صاحب العمل المصاب فصلًا تعسفيًا. في مقال آخر نشر في سنة ٢٠٢٢ تحت عنوان “التعايش مع “الإيدز” في مصر: وصم وتمييز وانتهاكات بالجملة” يذكر إسلام ضيف أنه “يصل التعسف ضد المصابين بفيروس نقص المناعة إلى حد الفصل من أماكن عملهم. كما أن هناك جهات تفرض الاختبارات الطبية كشرط للقبول في الوظيفة، ويتم رفض المتقدمين حاملي الفيروس بغض النظر عن حالتهم الصحية حتى وإن كانت تلائم طبيعة العمل”. وهو يستشهد من منظمة العمل الدولية أن “الأشخاص المصابين يواجهون التمييز خلال البحث عن عمل ويواجهون معاناة في الحفاظ على وظائفهم، بالإضافة إلى أن الإصابة تتسبب في منع الترقيات الوظيفية”. في تقرير ثالث لعبد الله أبو ضيف يذكر قصة عامل عثر على أدويته في مقر العمل ففصل ولم تجد محاولاته في التواصل مع صاحب العمل لارجاع وظيفته. تدل هذه التقارير على وجود تمييز ضد المصابين والمصابات بفيروس نقص المناعة البشري حتى بدون استخدام أصحاب العمل حقهم القانوني في طلب تحاليل طبية للفيروس.
تميز هذه الاجراءات ضد المصاب بالعدوى في حين أن المصاب لا يضر بيئة العمل ولا تنتقل عدوته لزملاء العمل. توضح المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض واتقائها أن عدوى فيروس نقص المناعة البشري نادرًا ما تنتقل في مكان العمل. أولًا، في المستشفيات وأماكن العلاج وهي أماكن عمل أقرب للإصابات ومخاطر انتقال فيروس نقص المناعة البشري، توضح المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض أنه حتى عند استخدام السرنجات نسبة العدوى تكون ١٪ ، وتقرب احتمالية الإصابة للصفر عند التعرض لنثرات الدماء، وأنه حتى في حالة التعرض لنثرات من سوائل بشرية على الجلد أو أي غشاء مخاطي فإن احتمالية العدوي تبقى صغيرة جدًا. وهذه الاحتمالات في أكثر المجالات عرضة لفيروس نقص المناعة البشري كالجراحة في المستشفيات والعيادات. ثانيًا، وفي المجالات الأخرى مثل المصانع والشركات، فإن الفيروس لا يعيش خارج الجسم ويتحلل مع تعرضه للهواء. وحتى في هذه الحالات فهي مسؤولية الشركات أن تحدد وتنفذ بروتوكولات في حالة إصابة العمال عامةً وتنظيف الأجهزة والمعدات في حالة إصابة العامل وتعرض أسطح مكان العمل لدم العمال (بعدوى أو بدونها) كاجراءات نظافة عامة.
قد يبرر صاحب العمل تفرقته بأنه يلتزم بدوره في حماية العاملين والعاملات في مكان العمل حيث يُوقع القانون المصري المسؤولية على صاحب العمل في حماية العمال في “المنشأة وفروعها باتخاذ وسائل وطرق وقاية العمال مـن خطـر الإصابة بالبكتيريا والفيروسات والفطريات، والطفيليات، وسائر المخاطر البيولوجية متى كانت طبيعة العمل تُعرض العمال لظروف الإصابة بها (مادة ٢٤٨ من قانون العمل ل٢٠٢٥). وفي المادة ٢٥٠ من نفس القانون حيث ينص القانون على ضرورة تأكد صاحب العمل أن العاملين والعاملات في “أماكن الطهي وتداول وتناول الأطعمة والمشروبات” حاصلين على “الشهادات الصحية الدالة على خلوهم من الأمراض الوبائية والمعدية”.
هذه المسئولية الموقعة على صاحب العمل تشترط أن تكون طبيعة العمل “تعرض العمال لظروف” إصابة بأمراض معينة، ولكن وكما أوضحت سابقًا فإن احتمالية الإصابة بفيروس نقص المناعة البشري قد تصل لصفر في أقرب المهن للمصابين بالفيروس، المهن المرتبطة بتقديم الرعاية الصحية الجراحية (استخدام مشارط وسرنجات). بالإضافة إلى ذلك، في حالات كثيرة لا يكون العمل ذا أي خطورة الإصابة كالوظائف التالية: كول سنتر أو خدمة عملاء أو تسويق أو محاسبة وما شابه ذلك ويطلب صاحب العمل تحاليل طبية للأمراض المعدية. في حالات أخرى لا يذهب العامل لمنشأة بل يعمل من بيته (work from home) وما زال يحافظ صاحب العمل على حقه في طلب تحاليل الأمراض المعدية.
الهدف الثاني من التحاليل الطبية قبل التعيين هو التأكد من إنتاجية العامل التي يتطلب صاحب العمل أن تكون أعلى ما يمكن. بالفعل يوفر القانون المصري حماية للعمال من الفصل التعسفي بسبب أي عدوى طالما لم تؤثر على إنتاجية العامل لكن بالطبع الوصمة المجتمعية تحبط الأعمال من رفع دعاوى على أصحاب العمل (عبد الله أبو ضيف ٢٠٢٤). هذا المقال يبحث إلغاء طلب تحليل فيروس نقص المناعة والذي تظهر أحدث الأبحاث العلمية تضاؤل تأثيره على إنتاجية العامل، خاصة بعد استخدام العلاج المضاد للفيروسات الرجعية (ارت ART) حيث يقل التأثير السلبي للفيروس على إنتاجية العمال ((Ohrnberger, J., Hauck, K. (2022). بالفعل، العلاج يقلل من حدة نقص الإنتاجية حتى أنها قد تصل لتساوي هؤلاء الغير مصابين بالفيروس.
في آخر تحديث للخطة الوطنية لمكافحة فيروس نقص المناعة البشري للتماشي مع الاستراتيجية العالمية للإيدز (٢٠٢١– ٢٠٢٥)، والتي تهدف لتصفير الحالات الجديدة وتصفير الموت بسبب الفيروس وتصفير التفريق على أساس الإصابة بالفيروس. فينص الهدف الاستراتيجي ال ٨.٣ على “الحد من الوصمة والتمييز المرتبطين بفيروس نقص المناعة البشرية” (ترجمة الكاتب). أخذ سوق العمل في الاعتبار عند تحليل التمييز الناتج عن الاصابة بفيروس نقص المناعة مهم لأن التمييز ضد المصابين والمصابات بفيروس نقص المناعة البشرية في سوق العمل عن طريق حرمانهم من فرص متساوية في سوق العمل أو اتخاذ اجراءات تأديبية فقط على أساس إصابتهم بفيروس نقص المناعة البشرية يقلل من فرص حصولهم على دخل ثابت يسمح لهم بالمشاركة في المجتمع المصري وسوق العمل بعد الحصول على العلاج ليصلوا لحالة غير قابلة للكشف U=U.
يرشح هذا الموجز السياسي أن يلغى حق طلب صاحب العمل في تحليل فيروس نقص المناعة البشري، ونرشح أن يكون إلغاء هذا الحق إلغاءً تدريجيًا، حيث يبدأ الإلغاء من الوظائف التي لا يعمل العامل بمنشأته أي يعمل من منزله (work from home) وثم الأعمال التي تكون فيها خطورة الإصابة صفر كالأعمال المكتبية. تبدأ المرحلة الثانية بالمصانع التي لديها بروتوكول حد نشر العدوى في حالة الإصابة وتدريب وتجهيز المصانع الأخرى لاستخدام نفس البروتوكولات. آخر مجموعة وظائف يلغى بها حق صاحب العمل في طلب تحاليل أمراض معدية هي الوظائف الطبية والتي قد تكون احتمالية العدوى فيها أعلى من صفر بقليل، ولهذا يدرب العاملون في تلك الوظائف تدريبًا مكثفًا في التعامل مع المصابين بكرامة واحترام وبروتوكولات تضمن عدم انتقال العدوى. نرشح أيضًا تسهيل تقديم العامل بلاغ في صاحب العمل في حالة خسر عمله بسبب علم صاحب العمل بالاصابة، خاصةً وإن لم تؤثر العدوى على إنتاجية العامل.
Author
-
طالبة ماجستير في الجامعة الأمريكية بالقاهرة في قسم
View all posts
الحضارات العربية والإسلامية بتخصص في اللغة العربية وآدابها. تركز رسالة
الماجستير على روايات الهجرة واللجوء في الأدب العربي الحديث. سلفيا
أيضًا مهتمة بالنظريات الكويرية واستخدامها في قراءة الأدب العربي. وهي
تعمل كمعيدة في الجامعة الأمريكية وتترجم من الانجليزية للعربية نصوص
نقدية عن استعمال النظريات الكويرية في قراءة الثقافة المصرية.