ثمّة أشياء كثيرة تُعاش في غزة ولا تجد طريقها إلى الرواية العامة عنها. فوسائل الإعلام، مهما ادّعت الإحاطة، لا تنقل إلا الجرائم الكبرى، بينما تبقى التفاصيل التي تفتك بالناس ببطء وتفسد حياتهم اليومية، خارج الكادر في كثير من الأحيان. ومن يعيش داخل القطاع يعرف أن هناك حقائق لا تُرى إلا من الداخل، وأن العجز عن نقلها يخلّف شعورًا قاسيًا بالمنفى داخل البلاد نفسها.
من بين هذه الحقائق حكاية “الكابتن”. وليس المقصود هنا لقبًا عابرًا أو شخصيةً غامضة تظهر في طرف المشهد، بل الاسم الذي يستخدمه ضباط الاستخبارات الإسرائيليون حين يتواصلون مع الفلسطينيين، وخصوصًا في لحظات الحرب والضغط وانهيار اليقين. قد يصل “الكابتن” في صورة رسالة نصية أو مكالمة واتساب أو صفحة على وسائل التواصل الاجتماعي، مستخدمًا لغة تجمع بين التهديد والإغراء، وبين القرب المصطنع وممارسة السيطرة. وقد يبدأ بآية قرآنية أو بجملة عن السلام أو برسالة تبدو حريصة على “مصلحة” المتلقّي وعائلته، قبل أن ينتقل سريعًا إلى ما يريده فعلًا: فتح قناة.
لا أحاول هنا أن أكتب عن الاستخبارات بوصفها مؤسسة ولا عن السياسة بوصفها ملفًا مجردًا، بل في هذه المقالة أكتب عن المجتمع حين يُدفع إلى حافة الهشاشة، وعن القصص الفردية التي تولد تحت القصف أو في البرد أو تحت سقف خيمة. فهذه الحكايات لا تحتمل أن تُختصر في كلمات عامة مثل “الصمود”، ولا أن تُذاب في كلمة واحدة مثل “الشعب”، كأن آلاف الأفراد يمكن احتواؤهم في سردية واحدة. من هنا، سأحاول فهم كيف تعمل هذه الرسائل، ولماذا يصدقها البعض، وما الذي تفعله بالنسيج الاجتماعي. فالحكاية، حين تُروى من أفواه أصحابها تكشف ما تعجز العدسات والتقارير والخطابات الكبرى عن رؤيته.
غير أن هذه المقالة لا تتناول “الكابتن” بوصفه مجرد اسم، ولا الجنسانية بوصفها موضوعها الوحيد. ما أحاول تتبعه هنا هو “الكابتن” بوصفه أداة من أدوات العمليات النفسية التي تمارسها الاستخبارات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، وخصوصًا في غزة. فهذه الاتصالات تختبر الهشاشة وتقيس القابلية وتفتح قنوات قد تُستعمل لاحقًا في الاستدراج أو الابتزاز أو التجنيد أو نشر الفوضى داخل المجتمع. ومن خلال شهادات من غزة، بينها شهادات لمثليين فلسطينيين، تحاول هذه المقالة فهم كيف تعمل هذه العملية، ولماذا يردّ بعض الناس على هذه الرسائل أصلًا، وماذا يترتب على ذلك للفرد وللنسيج الاجتماعي في زمن الحرب.
من هو “الكابتن”؟
الكابتن هو الاسم الذي يقدّم به ضباط الاستخبارات الإسرائيليون أنفسهم _ وليس فلسطينيو الأراضي المحتلَّة_ في تواصلهم مع الفلسطينيين، بوصفه أخفّ وطأة على السمع من صفة “ضابط مخابرات”، وربما أيضًا بوصفه طريقة لتطبيع هذا التواصل وجعله يبدو أقل حدّةً وأقل مباشرةً مما هو عليه في الحقيقة. فالكلمة، بما تحمله من خفة ظاهرية وغموض، تساعد على تقديم العلاقة بوصفها تواصلًا شخصيًا أو إداريًا أو حتى “إنسانيًا”، لا اتصالًا أمنيًا خشنًا من طرف قوة احتلال.
هذا القناع ليس جديدًا. ففي ذاكرة كثيرين من أهل غزة، يعود “الكابتن” إلى سنوات الحكم العسكري الإسرائيلي المباشر قبل أوسلو، حين كان الضابط يحضر باسمه هذا بصورة دورية، ويُنادى به بين الناس بهذه الصفة نفسها. ولا تزال أسماء بعينها حاضرة في هذه الذاكرة الشفوية، مثل “الكابتن أبو صبري”، الذي يرد اسمه بوصفه من أشهر من عُرفوا بهذه الصفة في مدينة غزة وغربها. وما تغيّر لاحقًا لم يكن القناع بقدر ما كانت وسيلته. فبعد أن كان حضوره مباشرًا وميدانيًا، عاد في أشكال أحدث عبر الهواتف المحمولة ورسائل الواتساب والصفحات الشخصية والحسابات الرقمية.

رسالة نصية أرسلت الي المواطنين في غزة في اعقاب وقف اطلاق النار من قبل احدي الكابتن
وقد برز هذا الاستخدام بصورة أوضح في الضفة الغربية بعد هبّة القدس عام 2015، حين ظهرت في 2016 وما بعدها صفحات يديرها ضباط شاباك يقدّمون أنفسهم للفلسطينيين بصفة “الكابتن”، مستخدمين أسماء عربية مألوفة من نمط “أبو فُلان”، ومخاطبين الناس بلغة تمزج بين القرب المصطنع والتهديد، وبين الإيهام بالمساعدة وممارسة السيطرة. في هذا التحول لم يتغير جوهر العلاقة بقدر ما تغيرت واجهتها: من ضابط يحضر إلى المكان؛ إلى حساب يرسل رسالة، ومن حضور عسكري مباشر إلى تواصل شخصي يبدو في ظاهره أخف، لكنه قد يكون أكثر قدرة على التسلل إلى الحياة الخاصة.
وتكمن أهمية “الكابتن” في وظيفته وليس في إسمه. فهو يأتي بوصفه مجرد ناقل لرسالة في البداية ثم مدخلًا إلى علاقة غير متكافئة من أصلها: طرف يملك القوة والمعلومة وأدوات العقاب، وطرف آخر يعيش تحت القصف والحصار واللايقين، ويحاول فقط أن يفهم ما يجري حوله أو يحمي من يستطيع حمايتهم. في هذا الاختلال نفسه تبدأ العملية النفسية. فالكابتن لا يحتاج في اللحظة الأولى إلى أكثر من أن يفتح بابًا صغيرًا يدفع المتلقّي إلى الرد؛ لأن الرد ذاته يغيّر طبيعة العلاقة: من متلقٍّ لرسالة إلى شخص دخل _ولو لثوانٍ_ في قناة تواصل مع الاستخبارات الإسرائيلية.
لهذا، “الكابتن” هو اسمٌ مستعارٌ بدايةً، وجزءًا من هندسة أوسع للخوف والاحتياج. فهو الققناع الذي يجعل الاستخبارات أقل ظهورًا وأكثر قدرة على التسلل إلى الحياة اليومية، وهو الواجهة التي تُقدَّم من خلالها الرسائل الترهيبية والوعود المبطنة والأسئلة “التعريفية” التي تبدو بسيطة في ظاهرها، إنّما هي في حقيقتها بداية فرزٍ أولي: من الذي قد يخاف؟ من الذي قد يساير؟ من الذي قد يُستدرج لاحقًا؟ ومن الذي يمكن أن يدخل _من حيث لا يدري_ إلى قاعدة بيانات قابلة للاستعمال الأمني في أي وقت؟
كيف يعمل “الكابتن”؟
“الكابتن” يعمل كَجزءٍ من عمليةٍ نفسية تبدأ قبل السؤال نفسه. فالفلسطيني الذي تصله الرسالة لا يقرأها في فراغ، بل داخل بيئة من الحرب واللايقين والإنهاك، حيث لا يعود واضحًا إن كان ما يراقبه يراقب فقط، أم يهيّئ للأذى. هذا الالتباس نفسه هو ما يجعل الرسالة فعّالة. فحين يعيش الناس تحت ضغطٍ مستمر، وحين يصبح الخوف غير قابل للضبط أو التنبؤ أو التجنّب، تكون الرسالة امتدادًا لبيئة أوسع من السيطرة وإدارة الرعب.
وهذا مهم أيضًا لأن العملية النفسية لا تبدأ فقط عند لحظة الرسالة أو المكالمة، بل داخل بيئة أوسع من المراقبة والخوف المستمر. فالحياة تحت المسيّرات تُنتج شعورًا دائمًا بالتهديد والرعب العالق فوق الحياة اليومية، وهو ما يجعل المتلقّي أصلًا في حالة إنهاك نفسي واستعداد أعلى للتأثر بأي رسالة أو تلميح أو تهديد لاحق..

نموذج لرسالة تجنيد مباشرة موجهة لسكان مخيم الشاطئ من “الكابتن أبو هيثم”. تعتمد الرسالة على تكتيك “الإغراء والوعود” (مثل الوعد بمستقبل فاخر وتوفير الحماية) بالتوازي مع استغلال العوز المادي والجوع كأدوات ضغط. كما تحاول الرسالة ضرب النسيج الاجتماعي عبر تأليب السكان ضد شخصيات محلية (مثل الحواجري) لتحميلهم مسؤولية المعاناة، وتصوير التعاون الأمني كفعل “توبة” ومسار وحيد لتحسين ظروف المعيشة.
ولم تبدأ محاولات فتح هذه القنوات دائمًا بالرسائل النصية وحدها. ففي بداية الحرب، ظهرت صيغ ترغيبية أخرى عبر المناشير التي أُلقيت من السماء، تخاطب الغزيين بلغة تحاول صناعة ألفة زائفة أو تحميل فصيل بعينه مسؤولية ما يجري، من قبيل: “جيراننا الغزّاوية.. عشنا جنب بعض سنين كتيرة بدون مشاكل وهلأ أجت المقاومة تخلق مشاكل…”. ثم انتقلت هذه المحاولات إلى بعض الهواتف في صورة رسائل نصية. وبعد استئناف الحرب في مارس/آذار 2025، بدا أن هذه الرسائل صارت أوسع انتشارًا وأكثر انتظامًا، حتى وصلت إلى جميع هواتف المدنيين. ويكشف هذا التطور أن المقصود هو توسيع قنوات الاختبار والضغط على أكبر عدد ممكن من الناس.
ولهذا تأتي رسالة “الكابتن” بصيغ عديدة. بعضها ترهيبيٌّ صريح، من قبيل: “نرفع من نرفع وننزل من ننزل”. وبعضها يأتي في هيئة نصيحة أو تحذير أو وعدٍ مبطّن بالحماية: “إحمي أحبابك وأولادك وتواصل معنا بأسرع وقت”. وبعضها يبدأ بآية قرآنية أو لغة دينية وأخلاقية عن “المفسدين في الأرض”، في محاولةٍ لاستعارة المعجم الذي يطمئن المتلقّي أو يربكه أو يدفعه إلى أخذ الرسالة على محمل الجد. وفي جميع هذه الصيغ، لا تكون الوظيفة الأولى هي انتزاع معلومة حساسة فورًا؛ بل فتح قناة.
وهذه القناة هي جوهر العملية. فالمكالمة الأولى مع “الكابتن” لا تهدف بالضرورة إلى تجنيد فوري بقدر ما تهدف إلى قياس القابلية: هل هذا شخص يمكن أن يخاف؟ هل يمكن أن يساير؟ هل يمكن أن يُضغط عليه أو يُستدرج أو يُستعمل لاحقًا؟ ولهذا يبدأ الضابط عادةً بأسئلة تبدو “تعريفية” أو عامة: عن المنطقة، وعن وضع الأسرة، ثم ينتقل إلى أسماء معروفة في الحي أو في المخيم أو في محيط الشخص. وقد تبدو هذه الأسماء عادية أو معلومة للجميع، لكن الإجابات عليها ليست عادية في نظر الضابط. فقول “نعم، أعرفه” قد يُقرأ بوصفه قابليةً أولية للتجاوب. وقول “لا أعرفه” قد يُقرأ كذبًا مقصودًا وتفاديًا للتعاون. وفي الحالتين تكون الإجابة مادة أولية للتصنيف.
بهذا المعنى لا تسعى الاستخبارات هنا إلى المعلومة وحدها، بل إلى الشخص نفسه: معرفة كيف يجيب، وكيف يخاف وكيف يتردد، وما الذي يدفعه إلى البقاء في الخط أو إغلاقه. وحين يردّ أحد على الرسالة أو يفتح باب المحادثة أو يشارك في مكالمة ولو لثوانٍ قليلة؛ فإنه يدخل _من وجهة نظر “الكابتن”_ في خانة الشخص المحتمل للتعامل معه لاحقًا. ليست كل استجابة تعاونًا وليست كل مكالمة إسقاطًا، لكن كل قناة تُفتح تصبح احتمالًا محفوظًا، وكل متواصل يصير _بصورة أو بأخرى_ جزءًا من قاعدة بيانات بشرية قابلة للاستعمال لاحقًا تحت الخوف أو الضغط أو الترغيب أو الترهيب.
وما يجعل هذه العملية أكثر خطورة أنها لا تعتمد على ضعفٍ أخلاقي عند المتلقّي بقدر ما تعتمد على ظرفٍ ساحق. فالناس بعد استئناف الحرب، وفي لحظات الانهيار والتهجير وفقدان اليقين، لا يبحثون دائمًا عن مكسب، بل عن تفسير: هل هذا المكان آمن؟ هل البقاء ممكن؟ هل عليّ أن أهرب الآن أم أبقى مع عائلتي؟ ومن هنا لا يكون بعض التواصلات “خطأً محض” بقدر ما يكون استجابةً بشرية لضغط يتجاوز ما يمكن قياسه. لكن هذه الإنسانية نفسها هي ما يدخل في حساب “الكابتن”: أن الحاجة إلى الفهم قد تتحول إلى باب، وأن الخوف على الأسرة قد يصبح مدخلًا، وأن طلب الاطمئنان قد ينقلب إلى بداية علاقة غير متكافئة مع الاستخبارات الإسرائيلية.
ومن هنا أيضًا يمكن فهم لماذا لا تنتهي العملية عند الرسالة، ولا حتى عند المكالمة الأولى. فالغاية بالإضافة إلى جمع معلومة آنيّة، هيَ اختبارٌ للأرضية: من الذي يمكن العودة إليه؟ من الذي يمكن الضغط عليه لاحقًا؟ من الذي يمكن إخافته؟ من الذي يمكن إغراؤه؟ ومن الذي يمكن تحويل ضعفه أو ارتباكه أو حاجته إلى مادةٍ أمنية قابلة للاستثمار؟ بهذا المعنى يعمل “الكابتن” ضمن هندسة كاملة للخوف والاحتياج، لا كفردٍ يعبر الهاتف فحسب.
غزة بعد استئناف الحرب: لماذا يردّ الناس أصلًا؟
السؤال الأخلاقي السهل هنا هو: لماذا يردّ أحد أصلًا على رسالة من هذا النوع؟ لكن هذا السؤال، بصيغته المجردة، يخفي أكثر مما يكشف. فهو يفترض أن من تصله الرسالة يقف خارج الضغط، وأنه يملك مسافة كافية للتفكير الهادئ، وأنه يتعامل مع خيار واضح بين الصواب والخطأ. غير أن غزة، بعد استئناف الحرب، لم تكن فضاءً يسمح بهذا الوضوح أصلًا. فقد عاد القصف بعد هدنةٍ ظنّ كثيرون _ولو جزئيًا_ أنها قد تعني نهاية الكابوس أو على الأقل انقطاعه لبعض الوقت، فإذا بالناس يجدون أنفسهم مرة أخرى في قلب الفوضى نفسها: نزوح، غارات، خوف، إشاعات، وانعدام يقين بشأن ما إذا كان البيت آمنًا، أو الحي قابلًا للبقاء، أو الغد قابلًا للتصوّر.
وتزداد دلالة هذه الرسائل حين نضعها في توقيتها. فبعضها وصل إلى هواتف مدنيين في منتصف الليل تمامًا، في لحظة استئناف الحرب وانهيار الهدنة في 18 مارس/آذار 2025. فلم تصل الرسالة بعد أن إختفى غُبار القصف، بل في قلب الصدمة، حين كان الخوف في ذروته وكان الناس أقل قدرة على التمييز بين الاستفسار والفخ. لا يعود الرد دائمًا فعلًا محسوبًا بقدر ما يصير محاولةً يائسة لإيجاد معنى في وسط الفوضى.
في هذا المناخ، لا يبدو الرد على الرسالة دائمًا فعلًا نابعًا من نية التخابر، إنَّهُ في كثير من الأحيان محاولةً لفهم ما لا يمكن فهمه من داخل التجربة نفسها. هل يجب المغادرة أم البقاء؟ هل هناك ما يتهدد العائلة؟ هل يعرف الطرف الآخر شيئًا لا يعرفه المدني المحاصر داخل هذا كله؟ إن الحاجة إلى الفهم هنا ليست فضولًا، بينما هي جزءٌ من غريزة البقاء. وما يزيد الأمر تعقيدًا أن الاستخبارات تعرف ذلك جيدًا، وتراهن عليه: لا تراهن على الخيانة بوصفها دافعًا أوليًا، بل على الارتباك وعلى الرغبة في تفسير ما يجري، وعلى ذلك النوع من الخوف الذي يجعل الإنسان مستعدًا لأن يفتح بابًا صغيرًا فقط كي يفهم ما يحدث حوله.
ولهذا لا يصحّ أن تُقرأ كل استجابة لهذه الرسائل بوصفها سقوطًا أخلاقيًا مباشرًا. ليست كل تواصلات المدنيين مع “الكابتن” خطأ محض، وبعضها مفهوم إنسانيًا تحت وطأة ضغط يصعب قياسه أصلًا. فالحرب، خصوصًا حين تُستأنف بعد هدنة بدت كأنها أبديّة؛ تعيد الناس إلى الخوف، وتعيدهم أيضًا إلى ذلك النوع من اللايقين الذي يجعل أصغر الإشارات محمّلة بإمكانات هائلة: رسالة، شائعة، مكالمة، اسم، حركة جيش، اقتراب قصف. وفي مثل هذه البيئة، لا يعود الإنسان حرًا بالمعنى الكامل في استجابته، بل يتحرك داخل هامش ضيق تفرضه عليه شروط البقاء نفسها.
لكن فهم هذا لا يعني تبرئة التواصل أو التقليل من خطورته. فالاستخبارات لا تنظر إلى الرد بوصفه سؤالًا إنسانيًا أو لحظة ارتباك، بل بوصفه مؤشّرًا. وكل رد _حتى لو كان قصيرًا_ يدخل في حسابات “الكابتن” بوصفهِ إشارة إلى احتمال قابل للاستثمار لاحقًا. ومن هنا تأتي المفارقة المؤلمة: أن ما قد يراه المدني محاولةً محدودة لالتقاط أي فهم وسط الفوضى، تراه الاستخبارات بداية قناة، أو اختبارًا أوليًا، أو ترشيحًا لاحتمال التعاون في وقت لاحق.
لهذا، فإن أفضل ما يمكن قوله هنا ليس إن من يردّ “مذنب” أو “بريء” على نحوٍ مبسّط، ولكن إنّ هذه الرسائل تنجح بالضبط لأنها تدخل إلى الإنسان من حاجته، لا من فساده، ومن خوفه على عائلته، لا من استعداده المسبق للتخابر. وهذا ما يجعلها جزءًا من العمليات النفسية لا من عمليات جمع المعلومات وحدها؛ فهي لا تبحث فقط عمّا يعرفه الناس، بل عمّا يفعله الخوف بهم.
ومع ذلك، يظل إغلاق هذه القنوات هو الخيار الأَسلم. لأن الاستخبارات تتعامل مع الرد_ كيفما كان_ كمادةً قابلة للتخزين والتحليل والعودة إليها لاحقًا. ولهذا؛ فإن ما يبدو لبعض المدنيين استفسارًا محدودًا، قد يتحول في نظر الجهة التي تتلقى الرد إلى نقطة دخول لا يمكن التحكّم في مآلاتها بسهولة.
حين تُستخدم الجنسانية كأداة في العمليات النفسية
لا تُستخدم الجنسانية هنا بوصفها موضوعًا منفصلًا عن العملية النفسية ولكنها واحدة من أدواتها. فـ”الكابتن” لا يحتاج دائمًا إلى تهديد مباشر ولا إلى عرضٍ واضح للتعاون لكي يبدأ الضغط، يكفي أحيانًا أن يلتقط نبرة صوت، أو أن يختبر صورة الرجولة، أو أن يلقي كلمةً مشحونة بالوصم داخل مجتمع صغير وسريع التناقل للمعلومة، حتى ينقل المتلقّي من حالة الاستفسار إلى حالة الخوف. في هذا المستوى، الجنسانية ليست مجرد تفصيل شخصي، هي موضع الهشاشة الذي يمكن للضابط أن يختبره ويلمّح إليه، وأن يحتفظ بإمكان استخدامه لاحقًا.
في شهادة ح.م، وهو شاب من مخيم الشاطئ، بدأت القصة برسالة ترهيبية صريحة من “كابتن أبو هيثم”، ثم تحولت لاحقًا إلى مكالمة أراد منها ح.م أن يفهم إن كان البقاء في بيته مع أسرته ممكنًا أم لا. غير أن المكالمة سرعان ما انزلقت من سؤال عن الأمان إلى أسئلة عن أسماء وأشخاص معروفين، ثم إلى سؤال آخر يبدو في ظاهره شخصيًا وعابرًا: لماذا لم تتزوج بعد؟ وحين أجاب ح.م بأن الظروف لا تسمح، جاءه الرد بلهجة حادة: “صوتك بحكي إنك ما بدك تتزوج”. وكان صوت ح.م، _كما يصفه هو نفسه_ يحمل نعومة أو مسحة أنثوية نسبيًا، وهو ما التقطه الضابط بسرعة وحوّله إلى مدخل للتلميح والضغط. لم تكن هذه جملة بريئة ولا ملاحظة عابرة. فالضابط في هذه اللحظة لم يكن يسأل عن الزواج، بل كان يختبر شيئًا آخر: كيف يمكن قراءة الصوت؟ كيف يمكن تحميله معنى جندريًا أو جنسيًا؟ وكيف يمكن تحويل هذا التلميح إلى باب ضغط مبكر؟
وتتضاعف وطأة هذا التلميح حين نعرف أن ح.م كان مثليّ الجنس فعلًا، لكنه لم يكن منفتحًا على جنسانيته إلا في دوائر محدودة جدًا. لهذا كانت العبارة أقرب إلى محاولة جسّ لموضع هشاشة حقيقي، أو إلى باب محتمل للابتزاز وكشف ما يحرص على إبقائه بعيدًا عن العامة. ولهذا أنهى المكالمة سريعًا لأنه شعر أن القناة التي فتحها لطلب الفهم قد تحولت خلال دقائق إلى قناة يمكن أن يُقرأ فيها جسده وصوته وخصوصيته بوصفها مواد قابلة للضغط. وهنا بالتحديد تتقاطع الجنسانية مع العمليات النفسية: فالمسألة ليست في معرفة “حقيقة” الشخص بقدر ما هي في اختبار ما إذا كان هذا التلميح وحده يكفي لدفعه إلى الخوف، أو الصمت، أو الدفاع عن نفسه، أو البقاء داخل المكالمة بشروط يضعها الضابط. أي أن الجنسانية لا تظهر هنا كموضوع مستقل، بل كمدخل محتمل لإعادة ترتيب ميزان القوة داخل الاتصال.
وفي شهادة أخرى، يروي أ.ع، وهو شاب من خان يونس، أن محادثاته القصيرة مع “كابتن أبو يحيى” على واتساب تناولت أسئلة عامة عن أشخاص معروفين بنشاطهم المقاوم أو العسكري داخل غزة، قبل أن تأتي مكالمة استمرت نحو خمسٍ وعشرين دقيقة. خلال المكالمة، قال الضابط مباشرة: “إنت لوطي؟”. وقد أجاب أ.ع أولًا بأنه ناشط في حقوق المثليين فقط. لكن هذه الإجابة لم تكن تعبيرًا كاملًا عن الحقيقة بقدر ما كانت ردًا أوليًا فرضه الخوف. فأ.ع هو أيضًا مثليّ الجنس، لكنه رغم انفتاحه النسبي مقارنةً بح.م، شعر عند سماع السؤال بصيغته الفجّة بقدرٍ من الرهبة دفعه إلى الإنكار الجزئي قبل أن يستعيد تماسكه ويواجه الضابط.
لكن ما حدث بعد ذلك هو الأهم. فقد واجه أ.ع الضابط مباشرةً، وأبلغه، بمعنى قريب من كلماته، أن عليه أن يستخدم مصطلحًا يتوافق مع اللغة القانونية التي تزعمها دولة الاحتلال، لا كلمةً مثل “لوطي”. هنا تغيّرت نبرة أبو يحيى وقال: “نعم، نعم”، ثم سأل بعد ثوانٍ من الصمت: “شو بتحب أحكي بدل كلمة لوطي؟” فأجابه أ.ع: “مثليّ” أو “gay” وبعد أقل من دقيقة همّ الكابتن بإنهاء المكالمة. وهذا مهم لأن المواجهة هنا لم تُفشل الإهانة فقط، بل كشفت آليتها. فحين اضطر الضابط إلى التراجع عن الكلمة بعد اعتراض أ.ع، بدا واضحًا أن الغاية لم تكن التسمية الدقيقة، بل اختبار الأثر النفسي للكلمة الأولى: هل تدفع المتلقّي إلى الانكماش؟ هل تضعه في موقع دفاعي؟ وهل تجعله منشغلًا بتبرير نفسه بدل الانتباه إلى بنية الاستدراج ذاتها؟ بهذا المعنى، تعمل اللغة هنا كأداة من أدوات الـPsyOps: كلمة واحدة قد تكفي لخلخلة التوازن داخل المكالمة ونقل مركز القوة إلى الطرف الذي يملك القدرة على الوصم.
ما تكشفه هذه اللحظة ليس مجرد فجاجة الكلمة، بل طريقة عملها. فـ”لوطي” هنا ليست شتيمة منفصلة عن السياق، بل أداة اختبار: هل سيتراجع المتلقّي؟ هل سيخاف؟ هل سينكر؟ هل سيحاول استرضاء الضابط؟ وهل يمكن من خلال كلمة واحدة، دفعه إلى موقع دفاعي يكشف أكثر مما يريد أن يكشف؟ وحين واجه أ.ع الضابط لاحقًا، وطلب منه استعمال مصطلح آخر، وتبدّلت نبرة الضابط بعد ذلك، أثبت أن هذا لم يكن مشكلةً لغوية فحسب، بل كشف أن الكلمة كانت مقصودة بوصفها وسيلة ضغط يمكن التراجع عنها فقط حين تفشل.
وهنا لا يعود السؤال: هل كان استعمال كلمة “لوطي” مهينًا؟ بل: لماذا اختار الضابط هذه الكلمة أصلًا؟ ولماذا تُلقى بهذه السرعة داخل مكالمة استخباراتية مع مدني فلسطيني؟ الإجابة _في تقديري_ أن الوصم نفسه جزء من الوظيفة. فالمسألة لا تتعلق فقط بالإهانة، المسألة كلّها هي خلق اختلال نفسي داخل المكالمة، وبجعل الشخص يشعر أنه صار مكشوفًا أو قابلًا للكشف، وأن القناة التي فتحها يمكن أن تنقلب عليه من موقعه الأكثر هشاشة.
ولا يُفهم هذا كله خارج السياق الاجتماعي الذي تعمل فيه هذه اللغة.ً فغزة مجتمع أصغر تنتقلل فيه المعلومة بسرعة، وتنتقل معه الشبهة والسمعة والوصمة إلى الفرد وعائلته. ومن هنا، لا تُستخدم الجنسانية لأن الاستخبارات “مهتمة” بها لذاتها، ولكن لأنها تعرف أن الوصمة المرتبطة بها يمكن أن تتحول في هذا السياق إلى أداة ضغط فعّالة، حتى لو لم تُستخدم فورًا. فليس من الضروري أن يهدد الضابط مباشرةً بالفضح أو التشهير؛ يكفي أحيانًا أن يلمّح ،وأن يختبر، وأن يحتفظ بما التقطه إلى وقت لاحق. ولا يقف الأثر عند الخوف الفردي. ففي مجتمع صغير وسريع التداول للشائعات، قد يتحول مجرد التلميح إلى مادة قابلة للانتشار، حتى من دون تصريح مباشر أو “دليل” واضح. وهنا تصبح الإشاعة نفسها جزءًا من مفعول العملية النفسية: فهي لا تؤذي الشخص فقط، بل تدفعه إلى موقع دفاعي دائم، وتضعه تحت نظر الآخرين وشكوكهم، وتجعله مضطرًا إلى تفسير ذاته أو نفي ما يُقال عنه بدل أن يعيش حياته خارج هذا الاتهام. وفي مثل هذا السياق، لا تعود الشائعة أثرًا جانبيًا، بل وسيلة لضرب الثقة الاجتماعية وتوسيع دائرة الريبة داخل المجتمع.
وحين تُضاف إلى ذلك شهادة الأسير المَقدِسِي المحرر: عمر الخطيب من بودكاست “أسير” عن تداول كلمة “لوطي” في السجون الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، لا يعود هذا الاستعمال مجرد زلة فردية أو فجاجة شخصية، إنّهُ معجم إذلال أوسع.
وربما يبدو هذا مثالًا صغيرًا داخل مشهد أعنف بكثير، لكنه يكشف أيضًا طبقة أخرى من الخداع: ما يُعرف بالغسيل الورديPinkwashing. فإسرائيل في خطابها الموجّه إلى الخارج، تحرص على تسويق نفسها بوصفها دولة “حديثة” و”ليبرالية” و”صديقة” لحقوق مجتمع الميم-عين، وتستخدم هذه الصورة لتلميع موقعها الأخلاقي والسياسي في العالم، وخصوصًا في مواجهة محيط عربي يُقدَّم باستمرار على أنه فضاء واحد من القمع والمحافظة والعداء للجنسانية غير المعيارية. غير أن هذه الصورة، حين تُنقل إلى أرض الواقع الفلسطيني، تبدو أقل شبهًا بالدفاع المبدئي عن الحقوق، وأكثر شبهًا باستعمال أداتي لها.
فحين يستخدم ضابط استخبارات إسرائيلي الجنسانية بوصفها موضع اختبار أو ضغط أو وصمة داخل مكالمة مع مدني فلسطيني، لا يعود الحديث عن “حقوق” أو “قبول” أو “تحرر” إلا بكونه قناعًا إضافيًا. هنا لا تظهر الجنسانية بوصفها مجالًا لحماية الفرد وكرامته بل نقطة يمكن النفاذ منها إليه. أي أن ما يُقدَّم خارجيًا كلغة حقوقية يمكن أن يُستخدم عمليًا حين يتعلق الأمر بالفلسطيني كأداة مصلحة: للضغط، الإغراء، الابتزاز، أو الترويج لصورة إسرائيل بوصفها البديل “المتحضر” عن مجتمع فلسطيني يُراد تصويره باعتباره المصدر الوحيد للخطر على الأفراد الكوير.
ومن هنا، الفلسطيني الكوير لا يُعرض عليه “القبول” من موقع الاعتراف به إنسانًا كامل الحقوق، بل من موقع النفعية: ما الذي يمكن أن تقدمه جنسانيتك لنا؟ كيف يمكن أن تدخل في أدواتنا الأمنية؟ كيف يمكن أن تُستعمل لتأكيد صورتنا عن أنفسنا في الخارج. وفي الوقت نفسه لتأكيد وصف المجتمع متخلّفًا ويحتاج إلى إسرائيل كي ينقذ بعض أفراده من محيطهم. بهذا المعنى، يعمل الغسيل الوردي على تبييض صورة الدولة، وعلى إعادة صياغة العلاقة بين الفلسطيني ونفسه ومجتمعه من خلال عدسة استعمارية تزعم الحماية فيما تمارس السيطرة.
ولا يقف هذا المنطق عند الغسيل الوردي وحده، ولكن ينسحب أيضًا على صورة “الإنسانية” التي تحاول إسرائيل تصديرها إلى العالم في ملفات أخرى، منها علاج بعض مرضى غزة أو السماح لهم بالمرور الطبي في ظروف محددة، ثم تقديم ذلك خارجيًا بوصفه دليلًا على الرحمة أو التحضر. غير أن هذه الصورة، في السياق الفلسطيني، لا تبدو منفصلة عن بنية السيطرة نفسها، لأن ما يُقدَّم كفعل إنساني يمكن أن يتحول في الوقت نفسه إلى أداة لتبييض صورة الاحتلال أمام المجتمع الدولي، وإلى وسيلة لطمس البنية التي تنتج أصلًا الحصار والمرض والاحتياج. بهذا المعنى، لا يكون الغسيل ورديًا فقط، بل أوسع من ذلك: استعمالًا انتقائيًا للغة الحقوق والإنسانية لتخفيف وطأة العنف الاستعماري في نظر العالم، لا لإنهائه في حياة الفلسطينيين.
لكن الأهم من كل ذلك أن ح.م و أ.ع، رغم اختلاف درجتي انفتاحهما على جنسانيتهما، خرجا من التجربتين بشعور واحد تقريبًا: أن القناة فُتحت، وأنهما صارا، من وجهة نظر “الكابتن”، مُعنونين لدى الاستخبارات الإسرائيلية، حتى لو لم يقدّما في النهاية معلومة جديدة، وحتى لو انتهت المكالمة بعد دقائق قليلة. وفي هذا بالذات تكمن خطورة هذه اللحظات: أن السؤال لا يختبر فقط ما يعرفه الشخص، بل يختبر أيضًا ما يخشاه، وما الذي قد يجعله قابلًا للضغط لاحقًا.
من الاتصال إلى الإسقاط: ماذا يريد “الكابتن”؟
ليس الهدف من المكالمة الأولى مع الكابتن تجنيد الشخص فورًا بالضرورة، ولا انتزاع معلومة حاسمة في لحظتها دائمًا. في كثير من الأحيان، يكون الهدف الأول أبسط من ذلك وأخطر في الوقت نفسه: قياس القابلية. هل هذا شخص يمكن أن يستمر في الحديث؟ هل يمكن أن يخاف؟ هل يمكن أن يساير؟ هل يمكن أن يُضغط عليه أو يُستدرج أو يُستعمل لاحقًا؟ بهذا المعنى، لا تكون المكالمة الأولى خاتمة العملية، بل بدايتها.
ولهذا تأتي الأسئلة الأولى في الغالب على هيئة اختبار لا على هيئة طلب مباشر. وتبدو هذه الأسئلة في ظاهرها عادية أو معروفة للجميع، لكن قيمتها الاستخباراتية تكمن في شكلها أيضًا: هل أجاب الشخص بسرعة؟ هل تردد؟ هل حاول المراوغة؟ في هذه التفاصيل الصغيرة نفسها يجري الفرز الأولي. فالإجابة تكون مؤشرًا على الشخصية: الخوف، والارتباك، والقابلية للتماهي أو للمقاومة.
فيصبح مجرد بدأ محادثة الواتساب، لحظةً ذات دلالة في نظر الاستخبارات. ليس كل من يردّ متعاونًا، وليس كل من يتجاوب يسقط مباشرةً في فخ التخابر، لكن كل من يفتح الباب يصير _بدرجة ما_ مرشّحًا للاستخدام لاحقًا. أي أن التواصل نفسه يتحول إلى نوع من الترشيح، ويُعاد استدعاء الأشخاص في لحظة أخرى أكثر هشاشة. وفي هذا المعنى، يكون “الكابتن” جامعًا لقاعدة بيانات بشرية أكثر منه باحثاً عن معلومة آنيّة ليتم إستعمالها لاحقاً.
وهنا يظهر معنى “الإسقاط” في صورته العملية، التي هيَ أفقًا مفتوحًا منذ اللحظة الأولى. فالاستخبارات لا تحتاج إلى أن تحصل من الشخص على تعاون كامل حتى تعتبره داخل نطاقها. والقاعدة أنّ ورقة الضغط نادراً ما تُستعمل فورًا. أحيانًا يحتفظ الضابط بما التقطه من الشخص إلى أن يصبح استعماله أنسب: عند عبورٍ محتمل من حاجز، أو عند محاولة سفر، أو في ظرف عسكري أكثر قسوة، أو حين يشتدّ الخوف على الأسرة، أو حين تصبح الحاجة إلى النجاة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. في تلك اللحظة، قد تعود القناة القديمة بوصفها بابًا مفتوحًا لم يُغلق تمامًا.
ولا يمتد هذا أيضًا إلى صناعة الفوضى. فحين تحتفظ الاستخبارات بمعلومات حساسة أو محرجة عن شخصٍ ما، لا تكون قيمتها في كشفها فورًا بالضرورة، بل في إمكان استخدامها حين يصبح ذلك أنفع لها: لإرباك شخص بعينه، أو لتخريب سمعته، أو لزرع الشك في محيطه، أو لإثارة البلبلة داخل مجتمع صغير. وفي حالات سابقة، كان نشر مواد حساسة أو محرجة وسيلة لتحريك الفوضى وتخريب النسيج الاجتماعي أو السياسي. فتصبح قيمة “الورقة” في توقيت استعمالها.
وإذا كان هذا كله يبدو، أحيانًا، وكأنه يقوم على معلومة صغيرة أو على تواصل محدود، فذلك لأن الاستخبارات لا تنظر إلى المعلومات بالطريقة التي ينظر بها الأفراد إليها. ما يبدو للفلسطيني مرتبكًا أو غير مهم قد يدخل في نظر الجهة الأخرى ضمن تحليلات أوسع وروابط أكثر تعقيدًا. فغزة بحكم الحصار والحرب وتعقيد الميدان، ليست فضاءً تمتلك الاستخبارات عنه معرفة مكتملة، ولذلك قد تكون أي إشارة مهما بدت محدودة، ذات قيمة حين تُضاف إلى غيرها. من هنا، قد لا يعرف الشخص الذي أنهى المكالمة سريعًا، أو الذي لم يقل إلا أشياء يظنها معروفة أصلًا، إن كان قد قدّم شيئًا مهمًا أم لا. وهذا الجهل نفسه جزء من الضغط: أن يظل بعد المكالمة عالقًا في سؤال لا جواب له، هل قلت أكثر مما ينبغي؟ وهل صار اسمي محفوظًا عند “الكابتن”؟ وهل انتهى الأمر فعلًا هنا؟ وهنا نعرف جوهر العملية النفسية أنها لا تنتظر الانهيار الكامل، بل تبدأ من قياس احتمال وجوده.
العواقب والمخاطر: على الفرد والمجتمع
وتبدأ خطورة “الكابتن” في أن الشخص لا يخرج من التجربة كما دخلها. حيث يبقى السؤال عالقًا فيه: هل قلت أكثر مما ينبغي؟ هل صار اسمي محفوظًا؟ وهل انتهى الأمر فعلًا هنا، أم أن هذه كانت مجرد بداية؟
هذا القلق هو جزء من العقوبة نفسها. فالشخص الذي يرفض التعاون بعد أن يفتح باب التواصل يظل تحت ضغط مستمر، وربما طويل الأمد، لأنه يعرف أن القناة قد فُتحت مرة، وأن الطرف الآخر يستطيع أن يعود إليها متى شاء. وقد يغيّر الشخص رقمه، أو يقطع وسائل التواصل، أو يحاول إقناع نفسه بأن الأمر انتهى، لكنه مع ذلك يظلّ يعلم أنه صار مُعنونًا لدى الاستخبارات الإسرائيلية، وأن اسمه دخل في سجل ما، الأمر الذي يجعل الأثر النفسي مستمرًا: ويصبح الخوف من الماضي والمستقبل أيضًا.
ويمكن فهم لماذا يُنظر إلى أي شخص يفتح قناة تواصل مع “الكابتن” بريبة شديدة إذا انكشف أمره. فالمجتمع، في كثير من الأحيان، لا يقرأ هذه القناة بوصفها لحظة ضغط أو ارتباك أو محاولة يائسة للفهم، بل بوصفها علامة ضعف أو تورط أو قابلية للتعاون مع الاحتلال. لهذا لا يهدد “الكابتن” الفرد وحده، بل يهدد موقعه داخل مجتمعه أيضًا.
ومع ذلك، لا ينبغي أن يقودنا هذا كله إلى لغة إدانة سهلة لمن استجابوا تحت الضغط. فالحرب، خصوصًا في غزة، تخلق من الضغوط ما يتجاوز القدرة العادية على الاحتمال والقياس. وبعض التواصلات لا تنبع من رغبة في الإضرار بالناس أو التخابر بقدر ما تنبع من الذعر، ومن الحاجة إلى الفهم، ومن التعلق بأي احتمال يمنح الأسرة شعورًا بالأمان. وأيضاً فهم ذلك لا يلغي الحقيقة الأخرى: أن إغلاق هذه القنوات، مهما بدا قاسيًا أو صعبًا، يظل الخيار الأكثر أمانًا. وحين ينجح “الكابتن” في انتزاع شيء من شخص واحد فإن الضرر يدخل في شبكة أوسع من الأذى تصيب الجماعة كلها.
لهذا، لا يمكن اختصار العواقب هنا في الخوف من الفضيحة أو في احتمال التجنيد فقط. العواقب أوسع من ذلك: ضغط نفسي قد يستمر طويلًا، وشعور دائم بأن الشخص صار مُصنَّفًا ومراقبًا، وخطرٌ مؤجل قد يظهر عند أول احتكاك مباشر مع الاحتلال، وإمكانٌ دائم لاستعمال ما جُمع من معلومات أو إشارات في لحظة لاحقة، فضلًا عن أثر اجتماعي يضرب الثقة، ويزرع الريبة.
وبهذا المعنى، كما يوضِّح تقرير “حرب المُسَيَّرَات” لا يمكن فهم أثر هذه الاتصالات بمعزل عن البنية الأوسع للعنف المراقِب في غزة. فخطاب “الدقة” الذي يُقدَّم به هذا النوع من التكنولوجيا لا يلغي حقيقة أن العيش تحت المراقبة الجوية المستمرة يُنتج تهديدًا دائمًا وعبئًا نفسيًا متراكمًا، ويحوّل الخوف إلى عنصر ثابت في الحياة اليومية. لذلك لا تصل رسالة “الكابتن” إلى ذاتٍ محايدة، بل إلى شخص جرى إنهاكه أصلًا داخل بيئة تُعيد إنتاج القلق والترقّب بصورة مستمرة. كما أن هذا الأثر لا يتوقف عند حدود الخوف الفردي، بل يمتد إلى النسيج الاجتماعي الأوسع، إذ لا تقتصر المراقبة المستمرة والتهديد العالق في الجو على استنزاف الأعصاب، بل يعيدان تشكيل السلوك اليومي، والانتباه، والقدرة على التركيز، والعلاقات داخل المجتمع. وعلى هذا النحو، لا تعمل هذه البيئة على إخافة الأفراد فحسب، بل على إنهاك الحياة النفسية والاجتماعية من أساسها، بحيث يغدو الخوف نفسه جزءًا من تنظيم الحياة تحت السيطرة.
وعلى المستوى القانوني، لا أزعم هنا إصدار حكم قضائي نهائي، لكن هذه الممارسات تثير شبهة قوية لمخالفة حظر الإكراه البدني أو المعنوي على الأشخاص المحميين، ولا سيما حين يُمارس ذلك للحصول على معلومات منهم أو من أطراف ثالثة. كما تثير شبهة مخالفة حظر تدابير الترهيب أو الإرهاب. وعلى مستوى القواعد الأوسع لحماية المدنيين، تحظر قواعد القانون الدولي الإنساني أعمال العنف أو التهديد به حين يكون غرضها الأساسي بث الرعب بين السكان المدنيين. لذلك، فإن اتصالات تُبنى على التهديد، وتُستغل فيها هشاشة الحرب واللايقين والوصمة للحصول على استجابة من مدنيين، لا تبدو مجرد تجاوز أخلاقي، بل ممارسة تثير شبهة قانونية جدية أيضًا.
الخاتمة
ليست رسائل “الكابتن” ومكالماته تفصيلًا جانبيًا في الحرب، ولا مجرد وسيلة ملتوية للحصول على معلومة. إنها جزء من بنية أوسع، تُدار فيها السيطرة على الفلسطينيين عبر الخوف بقدر ما تُدار عبر النار. وما تكشفه الشهادات أن الاستخبارات الإسرائيلية تستخدم اللايقين نفسه أداةً للعمل.
و“الكابتن” هو قناع لوظيفة كاملة. فهو يطلب معلومة ويقيس الهشاشة ويصنع تصنيفًا أوليًا ويترك أثرًا يتجاوز اللحظة التي ينتهي فيها الاتصال. وحين تدخل الجنسانية في هذه العملية، تكون إحدى النقاط التي يمكن أن تُستخدم لقياس الهشاشة أو توسيع الضغط أو تعميق الوصمة. وهذا ما يجعلها جزءًا من بنية الحرب النفسية نفسها، لا هامشًا عليها. فالكلمة المهينة والتلميح والخوف من الفضيحة والتناقض بين خطاب “الحقوق” والممارسة الأمنية، كل ذلك يكشف عن ازدراءٍ فردي وعن طريقة أوسع تعمل بها السلطة حين تتسلل إلى حياة الناس من نقاط ضعفهم… أو مما قد يُتخيل أنه نقطة ضعف فيهم.