كلام في المليان.. من ست في عالم الدعارة للحقوقيين

ملحوظة تحريرية من مركز القاهرة 52: المركز نشر المقالة دي زي ما هي بالظبط ومن غير أي تعديل أو تحرير حقوقي، بناءً على رغبة صاحبتها ‘ياسمين’، عشان صوتها وصوت دوايرها يوصل للناس بلسانها وبدون أي زواق.

أحب أعتذر مقدماً إني مبعرفش أكتب عربي مشكّل، وأعتذر برضه لو النقد لاسع، بس أتمنى من النشطاء سعة الصدر. أنا بكتب المقالة دي بشكل سريع عشان صوتنا يبقى موجود في النقاش كستات بتشتغل في الدعارة، أو “الجنس التجاري” زي ما الناس عاوزة تسميها. بس اعذروني برضه، كلمة “الجنس التجاري” دي تقيلة عليا شوية ومحدش فينا بيستخدمها، ومش حابة برضه أقول مصطلحاتنا عشان دي حاجتنا مش بنحب نطلعها برة، فهتلاقوني ساعات بقول دعارة وساعات بقول اللفظ المستخدم حالياً في النقاش الحقوقي الداير.

أنا بكتب ده من واقعي وواقع دوايري، فمش معنى إني قلت حاجة يبقى كلنا نفس الوضع؛ عالم الدعارة في مصر عالم كبير وفيه فئات مختلفة: من البنات الهاي كلاس، للي بتشتغل إنترنت وفون بس، للي لسه بتشتغل على قديمه في شبكة وهكذا، ولكل ست أسبابها في الشغلانة.

بالنسبة لي، أنا اسمي ياسمين (طبعاً اسم مستعار)، 25 سنة، بقالي 4 سنين بعمل الشغل ده سواء نت أو فون أو في الواقع، بس مش دايماً، يعني بتيجي فترات مبشتغلش فيه، وده بجانب شغلانة أساسية بعملها. أنا من محافظة في بحري، وأعتبر من الطبقة المتوسطة (مش معدمة ولا هاي كلاس)، ودوايري في الشغلانة نفس الوضع. أنا مش ناشطة ولا حقوقية، أنا بتطوع مع محامين مركز القاهرة 52 إني أوصلهم بالستات لما يتقبض عليهم مش أكتر ولا أقل، وعشان كده بكتب الجواب ده عن طريقهم عشان مقدرش أكتبه علني باسمي الحقيقي.

أولاً: علاقتنا مع المنظمات.. “شغل تقفيل تقارير”

أول مرة أسمع عن النقاش الداير حالياً كان لما واحدة صاحبتي بعتت لي سكرين شوت من بوست على الفيس للاستاذة نسمة الخطيب وبتقولي: “الحقي بقي اسمنا جنس تجاري” وبتضحك. طبعاً الضحك عشان الاسم نفسه مضحك بالنسبة لنا وغريب، تحسه طالع من معجم تالتة إعدادي!

كان فيه استغراب شوية مني ومن صاحبتي: ليه الأستاذة نسمة أصلاً بتفتح الموضوع دلوقتي؟ والاستغراب ده نابع من تجاربنا مع المنظمات في مصر بشكل عام. إحنا كستات بنشتغل في الدعارة مش على الرادار للمنظمات، ومحدش بيفتكرنا غير لما بيحتاج حاجة. يعني منظمات الإيدز في مصر أكتر ناس بتفتكرنا لما بيحتاجوا يقفلوا تقارير للممولين بتوعهم إنهم استهدفونا؛ يجيبونا يقعدونا في أوضة ويقولوا “أهو إحنا بنشوف الستات محتاجين إيه” والسلام عليكم عليكم السلام!

حتي لما واحدة مننا تعوز منهم حاجة قانونية ولا صحية، قليل ما بتلاقي حد مهتم يساعد أو ليه نفس، غير طبعاً الحديث الشيق دايماً عن إزاي إحنا ممكن نتوب ونسيب الشغلانة، وده طبعاً هدف لستات كتير محدش يقدر ينكر، بس هما حتى مش بيقدموا خطة إزاي حد ممكن يتوب ويسيب الشغلانة، يعني مفيش بديل اقتصادي هما بيقدموه.

فطبعاً الاحتكاك مع المنظمات هو في القليل، وفي أغلب الوقت هما بيستفادوا مننا أكتر ما إحنا بنستفاد، بس مش مشكلة، يمكن أحسن لينا إننا مش على الرادار الحقوقي. ليه؟ عشان زي ما شوفنا لما الحقوقيين بيتكلموا عننا بيختصرونا في إيه والنقاش بيروح فين.

ثانياً: حصرنا في “الأمراض الجنسية” نظرة مهينة

أنا طبعاً متفهمة إن أصلاً عشان تتكلم على موضوع “الجنس التجاري” في مصر من زاوية حقوقية صعب جداً، وفاهمة إن اللي كتب البوست وغيره كانت نيتهم كويسة، بس حصرنا في موضوع إننا ستات عندنا أمراض جنسية ده مش صحيح. طبعاً إنك تعمل دخلة من الجانب الصحي يمكن أسهل من أي حاجة تانية، بس في نفس الوقت، هل إحنا مجرد ستات بننقل أمراض جنسية؟

الحقيقة في دوايري على الأقل، الستات اللي بتعمل الشغل ده يمكن أكثر حرصاً على أمانهم الجنسي من الستات اللي أعرفها اللي بتعمل سكس مع شركائهم؛ ويمكن ده عشان إحنا كـ “كومينيتي” الستات اللي بتشتغل الدعارة عندنا شبكات بعيدة عن المنظمات بتعمل على توعية بعضينا بكل حاجة: من أول الزباين الوحشة اللي بننصح بعضينا نبعد عنهم، لاستخدام الكوندومز ووسائل منع الحمل، للأماكن الكويسة للفحوصات وغيره، اللي فيهم ناس بيكبروا دماغهم ومش بيقعدوا يسألوا س وج “ليه جاية تعملي فحص أمراض جنسية”، وغير طبعاً الدكاترة والمحامين الفريندلي وهكذا.

طبعاً الحاجات دي مكلفة ومش ببلاش، وزي ما قلت أنا من دواير الطبقة المتوسطة فممكن نكون قادرين على دفع سعر كشف هنا ولا هنا، وكمان عندنا رفاهية اختيار العميل إنه يكون كويس وراضي يلبس كاندوم وغيره، في غيرنا أكيد معندهوش الرفاهية دي، بس برضه طرح الموضوع من زاوية إننا عندنا أمراض جنسية حسيته مهين شوية.

ثالثاً: ما الذي تذكركم بنا فجأة؟

خليني أتكلم شوية عن طريقة الطرح؛ أنا معرفش هل نسمة أو غيرها اتكلموا مع ستات بتشتغل دعارة ولا لأ، وأكيد طبعاً ممكن يكونوا اتكلموا واتقالهم تمام اطرحوا الموضوع، بس بالنسبة لي وردود الفعل من دوايري الطرح مش مفهوم. يعني ليه أصلاً الموضوع يطرح دلوقتي؟ خصوصاً إن الحراك النسوي عمره ما افتكرنا ولا في تقاريره ولا في خدماته، ده بالعكس؛ يعني إحنا نعرف إن الحراك الحقوقي في مصر بيوفر مثلاً خدمات دعم قانوني للرجالة والكويرز اللي بيتقبض عليهم بسبب قانون الدعارة (تحت مسمى الفجور)، وقليل ما نفس المنظمات دي بتقدملنا إحنا نفس الخدمات رغم إنه نفس القانون! يعني حتى مش محتاج إنهم يجيبوا محامين جداد، هو هو نفس الكلام اللي بيتقال في الفجور بيتقال في الدعارة. وغير طبعاً إن التقارير الحقوقية بتاعتهم عمرها ما ذكرتنا من غير زاوية الإيدز زي ما قلت فوق.. فالسؤال يعني: إيه اللي فكركم بينا؟

وطبعاً فيه إشكالية إننا بقينا جزء من تريند ونقاش ومحدش فينا طبعاً قادر يطلع يتكلم بلسانه، عشان خلينا واقعيين: مين ست هتطلع صراحة تقول للمجتمع “أنا أهو.. أنا بشتغل في الدعارة (شرموطة) وعاوزة واحد اتنين تلاتة”؟ فانا زعلت إننا بقينا تريند على لسان غيرنا، وبقينا جزء من نقاش أعتقد محدش فينا طلب يتفتح أصلاً، وإن كنت أحب إن النقاش ده يتفتح داخل الحراك الحقوقي نفسه في إنه إزاي يقدملنا خدمات بعيد عن مصلحة الإيدز اللي بتيجي من فين لفين.

وطبعاً فيه إشكالية إن النقاش ذات نفسه مفرغ من محتواه؛ لو اتكلمنا على الصحة الجنسية فالمفروض الدولة تقدمها لكل الناس مش إحنا بس، هو مفيش غيرنا اللي بيعمل سكس؟ ده البلد كلها بتعط! فالمفروض زي ما الممولين أرغموا الدولة إنها تقدم خدمات الإيدز لكل الناس ببلاش، يبقى النقاش الأكبر: ليه بس الإيدز؟ ما فيه أمراض جنسية تانية كتير وكتير منها كمان ممكن يتنقل من غير سكس حتى، فممكن بس نقول كده يمكن ده يكسب ود شوية في النقاش المجتمعي.

رابعاً: الخناقة على الفيسبوك والواقع في حتة تانية

بما إن الفيسبوك مقلوب بقاله كام يوم، فخلونا نفكك الخناقة دي شوية من واقعنا إحنا، مش من ورا الشاشات. المعارضين للطرح ماسكين في فزاعة إن الكلام ده “بداية لتقنين الدعارة في مصر” وفتح بيوت دعارة رسمية، وطبعاً داخلين بنغمة حامي حمى الفضيلة. الخوف ده واهم ومش قاري الواقع خالص؛ الفكرة مش “تقنين” ولا اعتراف قانوني ومحدش من الستات أصلاً طالبه كأولوية دلوقتي. تقنين الشغلانة في بلد زي مصر ده حلم بعيد وصعب وأصلاً مش هو اللي هيحل مشاكلنا بكرة الصبح. الأولوية الحقيقية هي الأمان من التنكيل والتوعية الصحية، وإننا نعيش من غير ما نتهان، مش إننا ناخد رخصة من الحكومة!

وعلى الجانب التاني، فيه حقوقيين ونسويين نازلين دفاع عن الطرح، بس بلغة تانية خالص؛ لغة جاية من الكتب والترجمات الغربية والمصطلحات المعقدة، وبيتكلموا وكأن الستات في مصر نزلوا عملوا ثورة عشان يتسموا “عاملات جنس” أو عشان يثبتوا “ملكية أجسادهم”! التضامن الفوقي ده، اللي بيتعامل مع قضيتنا كمعركة فكرية أو أيديولوجية على الفيسبوك، هو تضامن منفصل تماماً عن الشارع وعننا. الستات في الدوائر دي مش مستنيين صكوك غفران لغوية ولا خناقات فكرية، إحنا محتاجين شبكات أمان حقيقية، محامين ينزلوا الأقسام لما يتقبض على واحدة مننا، ودكاترة ميعاملوناش بقرف.

وحتى المقترح نفسه اللي بيتكلم عن توفير “كشف طبي”.. كلام نظري وجميل، بس على أرض الواقع في مصر، أي ست هتروح تعمل فحص أمراض جنسية في مستشفى حكومي هتعيش رحلة عذاب من النظرات، والأسئلة، والوصم، وممكن كمان يتبلغ عنها! الطرح ده من غير إعادة تأهيل للمنظومة الصحية كلها، وتدريب الدكاترة والممرضين على السرية التامة وعدم إطلاق الأحكام، هيبقى مجرد “كمين” للستات مش خدمة. الستات حالياً بتلجأ للأماكن الخاصة أو الدكاترة الفريندلي عشان يضمنوا السرية، فلو فيه جهة بجد عاوزه تقدم خدمة، لازم تضمن السرية المطلقة والأمان من الملاحقة الأمنية الأول، قبل ما تقول “تعالوا اكشفوا”.

خامساً: رد فعل المجتمع ومعركة “حق التعبير”

ورد فعل المجتمع ولا فاجأني ولا فاجأ غيري من دوايري؛ إحنا عارفين من زمان إن أسلوب الحديث عننا لازم يبقى داخل من زاوية “يا حرام إحنا غصب عننا بنعمل كده ونفسنا حد ينجدنا”، ويا سلام لو ست بتجري على عيالها بعد ما جوزها مات وغصب عنها في الشغلانة! وأهو الأسلوب ده بيكسب تعاطف شوية بس مش بيودي في حتة برضه.

بس غير كده رد الفعل زي ما شوفنا: “دي بتدافع عن الشراميط”، “دي عاوزة انحلال”، “هو ده اللي النسوية عاوزاه”، ويا يا.. وطبعاً يعني الأستاذة نسمة حتى مقالتش اعملوا قانون أو أي حاجة أوفر، دي كل اللي قالته اديلهم كشف طبي! بس طبعاً طريقة الطرح ومين بيطرحها بتفرق؛ يعني لو شيخ أزهري طلع قال نفس الكلمتين وعمل طبعاً الفرشة بتاعت “غصب عنهم ولازم ننقذهم” ومعرفش إيه، أعتقد كان هيبقى تصريح مثير للجدل بس مش هيتحول للنقاش ده كله.

وهنا تيجي نقطة مهمة: هل الطرح كان لمجرد فتح النقاش حتى لو النقاش هيبقى سيء, ولا كان إيه الهدف بالظبط؟ وده أعتقد سؤال عادي يعني حقنا نسأله للطارح، وخصوصاً إن تجاربنا مع المنظمات بشكل عام مش أحسن حاجة، فعاوزين نعرف ليه وهل إحنا جزء من النقاش ده، ولا هل الحقوقيين والمجتمع هيتخانقوا مع بعض وإحنا برة؟ وأنا دلوقتي شايفه إن النقاش ساب موضوعنا وبقى عبارة عن حق الأستاذة نسمة في إنها تقول اللي قالته قدام رد فعل مجتمع سيء.

سادساً: عتاب محبة.. ومصر لسه بدري عليها

أنا طبعاً مع حق الأستاذة نسمة وأي حقوقي إنه يتكلم عن أي حاجة حتى لو عننا، والعتاب هنا أتمنى يتفهم إنه عتاب محبة زي ما بنقول. ومقترح الأستاذة نسمة زي ما قلت هو حتى مش حاجة صعبة، بس طبعاً طريقة الطرح فيها عيوب، ومن الآخر: الحكومة لو جيلها فلوس من منظمات الإيدز إنها تفتح معامل تحاليل للأمراض الجنسية التانية أشك إن الحكومة هتقول لأ، فالحديث برضه لازم يحط ده في وجه الاعتبار.

وطبعاً لازم نتكلم عن نظرة الحقوقيين لينا، ونتكلم إزاي ممكن يتم خلق مساحة إحنا نكون موجودين فيها بشكل أكتر غير مساحات الإيدز المعيوبة، ونساعد الناس المهتمة إنها تفهم أكتر العالم بتاعنا، وطبعاً مش أنا بس، كل الستات من مختلف خلفياتهم اللي شغالين في الموضوع، ويبقى الطرح واقعي مش مجرد إحداث جدل مش هيودي ولا يجيب.

ومصر لسه بدري عليها أوي لما حد يتكلم علينا كحقوق وإحنا عارفين كده كويس، بس ممكن نشوف حاجات تحسن حياتنا كدعم خدمي، وكمان يتقبلوا إن الستات مش كلها شايفه الموضوع كحقوق، والصراحة المعظم ممكن يكون عاوز يسيب الشغلانة بس مش لاقي شغلانة أو فرصة أحسن. فبرضه نبقى مستعدين إن الحديث الغربي عن الموضوع كحقوق، وحتى كلمة جنس تجاري ذات نفسها، مش هتلاقي نفس القبول مع كل الستات.

Author

وسوم:
انشر: