المرصد الإعلامي للقبضيات على أساس العمل بالجنس التجاريمن يناير ٢٠١٩ إلى ديسمبر ٢٠٢

المرصد الإعلامي للقبضيات على أساس العمل بالجنس التجاريمن يناير ٢٠١٩ إلى ديسمبر ٢٠٢

 كتابة: فاطمة علي

 المرصد الإعلامي للقبضيات على أساس العمل بالجنس التجاري من يناير ٢٠١٩ إلى ديسمبر ٢٠٢٠

ملخص:

تنطوي القوانين المصرية الحديثة على العديد من المواد التي تعاقب العمل طوعيًا بالجنس التجاري أو تسهيل العمل به أو مساعدة من يعملون به. إلا أن العمل بالجنس التجاري بشكل طوعي كامل (وليس القهري الذي يدخل تحت بند الاتجار بالبشر) يتعلق بحرية الإنسان في اختيار عمله وحريته في الحياة الشخصية التي يحفظها ويكفلها القانون الدولي والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والدستور المصري. لذلك وإيمانًا منا، كمركز القاهرة ٥٢، بمساواة جميع الأفراد أمام القانون وسيادة العدالة الاجتماعية والحرية وحقوق الإنسان أجمعها ومن ضمنهم الحق في العمل طبقًا للمادة رقم ٢٣ من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تندرج تحت الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. وبالتبعية، إيمانًا منا بحق اختيار المواطنين للعمل اللائي يرووه مناسبًا، وبالتالي الإيمان بحق العاملين/ات بالجنس التجاري بممارسة عملهم/هن بحرية تامة كأي عمل أخر يتم ممارسته بمقابل مادي، دون التضييق أمنيًا عليهم/هن أو التضييق عليهم/هن مجتمعيًا، واستكمالًا سلسلة من التقارير التي تحمل نفس الاسم، وبدايتها التقرير السابق المرصد الإعلامي للقبضايات على أساس العمل بالجنس التجاري من يناير 2021 ديسمبر 2022،  يتم تقديم هذا التقرير، والذي يقوم على تحليل وأرشفة ورصد الأخبار الإعلامية عن القبضايات على خلفية العمل بالجنس التجاري، لتغطية عامي ٢٠١٩ و٢٠٢٠. الهدف من هذا التقرير هو إلقاء الضوء على أحوال العاملين/ات بالجنس التجاري وعلى أوضاعهم/هن، كما يهدف إلى سد فجوة المعرفية وإضفاء نوع من أنواع الشفافية على قضايا العاملين/ات بالجنس التجاري. 

 

طالع المرصد عن طريق الرابط التالي: 

 

البحرين: استمرار حرمان العابرين/ات من الحق في الوصول للعلاج التأكيدي وتغيير الأوراق الثبوتية باسم الشريعة الإسلامية

البحرين: استمرار حرمان العابرين/ات من الحق في الوصول للعلاج التأكيدي وتغيير الأوراق الثبوتية باسم الشريعة الإسلامية

 البحرين: استمرار حرمان العابرين/ات من الحق في الوصول للعلاج التأكيدي وتغيير الأوراق الثبوتية باسم الشريعة الإسلامية

كتابة: نورا نورالله

تاريخ: 07/02/2024 

في حكم صدر مؤخرًا في مايو 2023، رفضت محكمة بحرينية ابتدائية، مستشهدة بالشريعة الإسلامية، طلبًا مقدمًا من عابر جنسيًا للحصول على اعتراف قانوني بجنسه والحصول على رعاية صحية مؤكدة لجندره.

طلب المدعي الحصول على موافقة قضائية للخضوع لرعاية صحية تؤكد جندره والحصول على الاعتراف القانوني بجندره بعد ذلك. وطلب فحصه من قِبل لجنة طبية من وزارة الصحة لتحديد مدى ضرورة الخضوع للرعاية الصحية المؤكدة للجنس لعلاج اضطراب الهوية الجنسية لديه. قدم المدعي وثائق طبية من البحرين وخارجها تثبت أنه قد تم تشخيص إصابته باضطراب الهوية الجنسية وأظهر باستمرار بصفته ذكرًا في مختلف المواقف الاجتماعية مع تفضيله لتقديم نفسه كذكر. لذلك، قرر طلب الخضوع لرعاية صحية مؤكدة للجندر وحاول الحصول على اعتراف قانوني بالجندر للتخفيف من معاناته النفسية ومواءمة هويته الجنسية مع وثائقه القانونية ومظهره الجسدي.

وشددت المحكمة خلال نظرها على أنه في حالة عدم وجود حكم قانوني إيجابي بشأن مسألة “تغيير الجنس”، فإنها ملزمة بالنظر في القضية من منظور المبادئ القانونية المستمدة من محكمة التمييز البحرينية والشريعة الإسلامية. هذا وإنه لقد أتيحت لمحكمة التمييز البحرينية بالفعل الفرصة لدراسة هذه القضية وصياغة المبادئ القانونية الأساسية المستندة إلى الشريعة الإسلامية. تعكس هذه المبادئ وجهة نظر علماء السنة حول “التغيير الجنسي” كما تم تقديمها في الثمانينات من خلال الفتاوى المختلفة الصادرة بواسطة مشيخة الأزهر المصري ومجمع الفقه الإسلامي السعودي. وتناولت هذه الفتاوى المعايير التي يجب أن تتوفر في الفرد الذي يسعى لإجراءات طبية تؤدي إلى “تغيير الجنس”. يحرم الفقه الإسلامي بشكل قاطع تغيير خلق الله دون ضرورة؛ ومن هنا سعى علماء الإسلام إلى تحديد الشروط الطبية التي يمكن اعتبارها ضرورة لإعفاء الأفراد من تحريم تغيير خلق الله.

وقد طور علماء الفقه ليشمل حالتين طبيتين يجب مراعاتهما في العلاج الطبي “لتغيير الجنس”: النفسي، أي اضطراب الهوية الجنسية، والبيولوجي، أي ثنائية الجنس (الانترسكس). وأجمع العلماء على أنه لا ينبغي السماح للأفراد العابرين/ات جنسيًا بالحصول على رعاية صحية تؤكد جندرهم، لأن ذلك يستلزم “الانتقال من وضع صحيح إلى وضع خاطئ”، في إشارة إلى أن حالتهم نفسية فقط، بيولوجيًا هم يقعون ضمن الثنائية المعيارية الجندرية. وفي الوقت نفسه، لا ينبغي السماح للأفراد ثنائيي الجنس فحسب، بل يجب أيضًا تشجيعهم على الخضوع لعلاجات “تغيير الجنس” من أجل “تصحيح وضعهم ومواءمته ضمن الثنائية المعيارية الجندرية.” وهكذا، تلتزم محكمة التمييز البحرينية بمبادئ الفقه مع قرارها أنه لا ينبغي منح الأفراد العابرين/ات جنسيًا القانوني بالجندر نظرًا لاعتبار عبورهم انتهاكًا للشريعة الإسلامية ويُنظر إليه على أنه “تعطيل للحالة البيولوجية الطبيعية.” ومن ثم، تعترف المحكمة بالحاجة إلى الاعتراف القانوني بالجندر للأفراد ثنائيي الجنس (الانترسكس) باعتباره وسيلة “لتصحيح” حالتهم البيولوجية دون تغييرها، وبالتالي لا تتعارض مع تحريم تغيير خلق الله.

بعد إثبات وجهة نظر الشريعة الإسلامية ومحكمة التمييز البحرينية بشأن الاعتراف القانوني بالجندر، شرعت المحكمة في فحص الوضع البيولوجي للمدعي من خلال تحليل الملامح الهرمونية، والأدلة الكروموسومية، والخصائص الجسدية، بهدف تحديد ما إذا كان المدعي من ثنائيي الجنس (الانترسكس) أو عابر جنسيًا. وكشف التحقيق أن المدعي أنثى بيولوجيًا ويفتقر إلى أي خصائص تدل على صفات ثنائيي الجنس (الانترسكس). وبالتالي، توصلت المحكمة إلى استنتاج مفاده أن المدعي يعرف نفسه على أنه شخص عابر جنسيًا يعاني من اضطراب الهوية الجنسية ويرغب في الخضوع لإجراءات جراحية نتيجة لذلك. على الرغم من أن البحث عن علاجات هرمونية وجراحية لاضطراب الهوية الجنسية لا يُجرم في البحرين، فقد قررت المحكمة أن وجود اضطراب الهوية الجنسية فقط لا يشكل أساسًا لـ “تغيير جنسي” كامل لأنه يتناقض مع الشريعة الإسلامية والمبادئ القانونية التي وضعها القانون البحريني ومحكمة التمييز البحرينية.

ويبرز موقف المحكمة في هذه القضية إحدى المواقف المتناقضة للقضاء البحريني. في حين أن تجريم العبور الجنسي أو المثلية الجنسية بشكل عام غير موجود في المملكة، يواجه الأفراد العابرين/ات جنسيًا في البحرين قيودًا عديدة عندما يتعلق الأمر بالوصول إلى حقوق الإنسان الأساسية. تستند هذه القيود إلى تفسيرات للشريعة الإسلامية بدلاً من أخذ آراء طبية أو قانونية بعين الاعتبار، مما يقوض حقوق الإنسان الدستورية للمواطنين البحرينيين العابرين/ات جنسيًا. بالإضافة إلى ذلك، تكشف حالات العابرين/ات جنسيًا في البحرين عن الانقسام بين الدولة والمعتقدات الدينية للسكان. على الرغم من أن 65-75% من السكان هم من الشيعة تتبع البحرين الإسلام السني حصراً بسبب الانتماء السني للعائلة المالكة. في المقابل، تعتمد بلدان أخرى ذات أعداد كبيرة من السكان الشيعة، مثل لبنان والعراق، على الفقه الشيعي كمرجع للسكان الشيعة في المسائل المدنية.

لكن هذا ليس هو الحال في البحرين، حيث تتبع القوانين والآراء القضائية الفقه السني للعائلة المالكة، بغض النظر عن المنظور الشيعي. تقدم الحالة المعروضة دليلاً على هذا التقسيم، لا سيما فيما يتعلق بمعالجة اضطراب الهوية الجنسية والرعاية الصحية المؤكدة للجندر. وكما ذكرنا سابقًا، يرفض السنة الرعاية الصحية التي تؤكد النوع الاجتماعي للأفراد العابرين/ات جنسيًا. في نفس الوقت، يعترف علماء الشيعة بأن اضطراب الهوية الجنسية يمكن اعتباره ضرورة طبية للخضوع للرعاية الصحية المؤكدة للجنس. حيث أن ذلك يوفر استثناءً من الحظر المفروض على تغيير خلق الله ولكن بشرط حصول الشخص العابر جنسيًا بشكل صحيح على الدور الجنسي الاجتماعي والديني لجنسه المكتسب. وبناءً على ذلك، طورت إيران المجاورة نظامًا فريدًا ولكنه معيب لتمكين الأفراد العابرين/ات جنسيًا من العبور بالإضافة إلى تمكين الوصول إلى الرعاية الصحية المؤكدة للجندر على أساس النوع الاجتماعي والاعتراف القانوني بالنوع الاجتماعي للسماح لهم وإجبارهم في بعض الأحيان على التوافق مع الثنائية الاجتماعية والدينية وتجنب الاضطراب من خلال إنكار هذين الجانبين.

على الرغم من أنه من غير الواضح ما إذا كان المدعي، في هذه القضية، سنيًا أم شيعيًا، فإن حقيقة أن محكمة التمييز البحرينية تعتمد فقط في قواعدها بشأن الرعاية الصحية المؤكدة للجندر والاعتراف القانوني بالنوع الاجتماعي على الفقه السني دون الاعتراف بالسكان الشيعة المهيمنين ومجتمعاتهم. اختلاف الفقه في هذا الشأن يكشف عن تهميش السكان الشيعة من قبل القضاء البحريني. هذا التهميش له آثار كبيرة على حياة الأفراد العابرين/ات جنسيًا الشيعة في البحرين.

في حين أنه سيكون من الأفضل التعامل مع قضايا العابرين/ات جنسيًا من منظور قانوني وطبي بحت، إلا أنه من الصعب تصور مثل هذا النهج في البحرين والدول المجاورة في الخليج. حيث أن الشريعة الإسلامية السنية هي مصدر العديد من قوانين وسياسات البلاد المتعلقة بالعابرين/ات جنسيًا.

المحكمة الابتدائية بتونس: اضطراب الهوية الجندرية ليس سببا لتغيير الجنس في الوثائق الرسمية

المحكمة الابتدائية بتونس: اضطراب الهوية الجندرية ليس سببا لتغيير الجنس في الوثائق الرسمية

 المحكمة الابتدائية بتونس: اضطراب الهوية الجندرية ليس سببا لتغيير الجنس في الوثائق الرسمية

كتابة: نورا نورالله

تاريخ: 30/01/2024 

في حكم صدر مؤخرًا بتاريخ 24 أبريل 2023، رفضت المحكمة الابتدائية بتونس منح الاعتراف القانوني بالهوية الجندرية لرجل عابر جنسيًا. أكدت المحكمة بذلك عدم وجود أدلة كافية على وجود حالة طبية بيولوجية ولذلك رفضت الاعتراف باضطراب الهوية الجندرية واعتبرته مرضًا عقليًا لا ينطبق عليه معايير الاعتراف القانوني بالهوية الجندرية. واستندت المحكمة في تعليلها إلى القانون المقارن من مصر,المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسانECHR ، وفتاوى دينية من المرجع الإسلامي المصري الموقر، دار الإفتاء.

وقدم المدعي، أحمد، تقارير طبية تثبت معاناته الطويلة مع اضطراب الهوية الجندرية منذ الطفولة على الرغم من خضوعه لعلاج مكثف دون جدوى. اتخذ أحمد قرارًا بالعبور الجنسي والمتابعة من خلال الرعاية الصحية الطبية المخصصة للعابرين/ات. إلا أن القيود المالية وخيارات الرعاية الصحية المحدودة في تونس أدت إلى تحديات، مما جعل من الصعب إجراء عبور طبي كامل دون طلب العلاج في الخارج.

هدفت المحكمة في بداية حكمها إلى وضع تعريف للمسألة المطروحة، والتي يشار إليها باسم “تغيير الجنس”. وتأكيدًا على غياب التشريع المتعلق بالاعتراف القانوني بالهوية الجندرية للأفراد العابرين/ات جنسيًا، فحصت المحكمة التعريفات الحالية من وجهة نظر طبية ومن منظور المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان لتستنتج أنه لا يوجد توصيف ثابت لـ “تغيير الجنس”. ومع ذلك، فقد وصفت الحالة على النحو التالي: “حالة يعتقد فيها الفرد بقوة أن جنسه يختلف عن الجنس المحدد له عند الولادة ويمكن الإشارة إليه باسم Transsexulaism”

وعند الإشارة إلى قضايا تونسية أخرى، أقرت المحكمة بمناقشة هذه المسألة في القضية رقم 10298 لسنة 1993 بمحكمة الاستئناف والقضية رقم 12304 لسنة 2018 أمام المحكمة الابتدائية بتونس. وكشف تحليل هذين الحكمين عن آراء قانونية متناقضة. حيث رفضت القضية الأولى طلب الاعتراف القانوني بالهوية الجندرية، وقبلته القضية الثانية. وبالتالي، قررت المحكمة عدم وجود سابقة قانونية ثابتة، خاصة وأن هذه الأحكام صدرت عن محاكم ابتدائية وليس عن محكمة التعقيب التونسية. وبالتالي، يجب على المحكمة أن تتداول هذه القضية بشكل مستقل دون الاعتماد على الأحكام السابقة.

انخرطت المحكمة في مناقشة مستفيضة بشأن المعايير الدولية المتعلقة بالاعتراف القانوني بالهوية الجندرية للأفراد العابرين/ات جنسيًا، مع التركيز بشكل خاص على التوجيه الذي قدمته المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. قررت المحكمة بشكل قاطع أن الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان قد وسعت نطاق الحق في حماية الحياة الخاصة، على النحو المبين في المادة 17 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والمادة 8 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، لتشمل الحق في الاعتراف القانوني بالهوية الجندرية للأفراد العابرين/ات. علاوة على ذلك، أدخلت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان مصطلحات جديدة، مثل “الهوية الجندرية”، في حين لم تحدد المسألة صراحة في نص قانوني، مما جعل هذا الاتجاه مجرد رأي للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.

علاوة على ذلك، أقرت المحكمة بغياب تعريفات واضحة لحقوق الإنسان والحريات ومع ذلك، أقرت المحكمة بشكل عام بأنها تشمل الحقوق الاجتماعية والمدنية والسياسية التي يكفلها الدستور التونسي. إلا أن المحكمة لم تعتقد أن هذا الضمان يمتد ليشمل مسألة “تغيير الجنس”. أثارت المحكمة مسألة ما إذا كانت الحقوق الاجتماعية يمكن أن توسع نطاق القضية للسماح بالاعتراف القانوني بالهوية الجندرية للأفراد العابرين/ات جنسيًا. وبعد دراسة متأنية، خلصت المحكمة إلى أن هذا السماح يتجاوز الحق في حماية الحياة الخاصة، لأنه يمس حقوق الآخرين. وبعبارة أخرى، فإن حق الفرد في الحياة الخاصة وحمايتها يفوقه الحقوق العامة للمجتمع الأكبر.

وفي مداولات أخرى، فحصت المحكمة الحالة الطبية للمدعي كأساس لاستنتاجها، مؤكدة في النهاية أن في حالات اضطراب الهوية الجندرية، حق الفرد في الاعتراف القانوني بهويته الجندرية لا يفوق الحقوق الاجتماعية الشاملة للمجتمع الأكبر. واكدت المحكمة أن المدعية كانت أنثى عند الولادة وطورت خصائص أنثوية خلال فترة البلوغ، بما في ذلك نمو الثدي والحيض بالإضافة إلى كون الدورة الشهرية غير المنتظمة الخلل البيولوجي الوحيد. وسلطت المحكمة الضوء أيضًا على العلاجات الطبية المؤكدة للهوية الجندرية التي خضعت لها المدعية والتي تتكون من العلاج بالهرمونات البديلة وبعض العمليات الجراحية. ومع ذلك، أكدت المحكمة أن المدعي أشار إلى عدم اكتمال عملية عبوره لأنه لم يخضع لعملية رأب القضيب (فالوبلاستي). وبناء على ذلك، وبناء على أقوال المدعية والتقارير الطبية المقدمة إلى المحكمة، قررت المحكمة أن المدعية تتمتع بخصائص بيولوجية أنثوية كاملة النمو عند دخولها لمرحلة البلوغ التقليدي. كانت العلاجات التي تلقاها المدعي مدفوعة في المقام الأول برغبة نفسية في التحول إلى الجنس الآخر وليس ضرورة بيولوجية.

وبمجرد التأكد من أن حالة المدعي كانت “عقلية” وليست “بيولوجية”، شرعت المحكمة في دراسة الأمر من منظور الشريعة الإسلامية. وبذلك استندت المحكمة إلى المبدأ الفقهي الإسلامي الأساسي المتمثل في أن “الضرورات تبيح المحرمات”. وبتطبيق هذا المبدأ على القضايا التي تنطوي على “تغيير الجنس”، خلصت المحكمة إلى أن “تغيير الجنس” لا يمكن السماح به إلا عندما يكون لا غنى عنه لحماية سلامة الفرد في حالات الضرورة الطبية المطلقة. ووفقاً لتفسير المحكمة، فإن الوضع الوحيد الذي يمكن السماح فيه بـ “تغيير الجنس” بموجب الشريعة الإسلامية هو الحالات التي تشمل أفراداً مزدوجي الجنس (الانترسكس)، نظراً لأن حالتهم متجذرة بيولوجياً ولا يمكن “معالجتها” دون تدخل جراحي، على عكس الأفراد المتحولين جنسياً.

ولدعم تأكيدها، أشارت المحكمة إلى موقف القضاء المصري ودار الإفتاء حيث ترفض كلتا الهيئتين ما تسميه “التغيير الجنسي”، والذي يتعلق بالرعاية الصحية التي تؤكد الهوية الجندرية  للأفراد العابرين/ات جنسيًا، وبدلاً من ذلك تؤيد فقط ما تشير إليه باسم “تصحيح الجنس”، والذي يشمل العمليات الجراحية التي تهدف إلى مواءمة الأفراد مزدوجي الجنس (الانترسكس) مع إحدى الجنسين. والجدير بالذكر أن المحكمة خصت موقف دار الإفتاء الذي يصنف أي إجراء يغير جنس الفرد على أنه محرم في الإسلام ما لم يتم إجراؤه “لكشف ما هو مخفي من الأعضاء الجنسية الحقيقية بسبب الإعاقة الخلقية” لدى الأفراد ثنائيي الجنس (الانترسكس) وليس نتيجة مجرد الرغبة في تغيير الجنس، كما في حالة الأفراد العابرين/ات جنسيًا.

اعترفت المحكمة ببعض السوابق القانونية المقارنة التي تقدم أدلة على أن بعض الولايات القضائية قد تسمح بالاعتراف القانوني بالهوية الجندرية للعابرين/ات. ومع ذلك، فقد طرحت المحكمة سؤالاً بالغ الأهمية: “إلى أي مدى يجوز تعديل جنس الفرد على أساس ميل نفسي للقيام بذلك، وكيف يمكننا أن نعطي الأولوية لمشاعر الفرد الداخلية على خصائصه البيولوجية الواضحة؟”

ونظراً لأن الأحكام القانونية ترتكز على أدلة ملحوظة وقابلة للإثبات بدلاً من العواطف الذاتية، وجدت المحكمة أنه من المستحيل إصدار حكم يعتمد على “المشاعر” فقط. علاوة على ذلك، شككت المحكمة في التزام المدعي بالخضوع لرعاية صحية المؤكدة للهوية الجندرية والسعي للاعتراف القانوني بالهوية الجندرية، لا سيما بسبب عدم وجود إجراء عملية رأب القضيب (فالوبلاستي). ومن وجهة نظر المحكمة، فإن هذا الافتقار إلى اليقين فيما يتعلق بالعبور الطبي الكامل للمدعي يجعل من الممكن الرجوع عنه، مما يترك الباب مفتوحًا أمام إمكانية رغبتهم في العودة إلى “جنسهم البيولوجي الأصلي” في المستقبل. ووفقا للمحكمة، فإن هذا السيناريو يمكن أن يؤدي إلى أحكام قانونية متناقضة، وارتباك واسع النطاق، وإلحاق الضرر بالمجتمع ككل.

ومن ثم، وبناء على الحجج المذكورة أعلاه، رفضت المحكمة طلب المدعية بالاعتراف القانوني بجنسها.

استمدت المحكمة أساسها المنطقي من القضايا السابقة، ولا سيما قضية محكمة الاستئناف، التي يشار إليها عادة باسم قضية سامية، وقضية المحكمة الابتدائية بتونس، والمعروفة شعبيا باسم قضية ريان. وعلى الرغم من أن منطق المحكمة يبدو منحرفًا عن الحالة الأخيرة، حيث تمت الموافقة على طلب الاعتراف القانوني بالهوية الجندرية للمدعي، فقد تم الاستناد إلى القانون الإسلامي والقانون المقارن في تحليل وبناء حجج المحكمة. والأهم من ذلك، في قضية ريان، استندت المحكمة إلى “قاعدة الضرورات تبيح المحظورات” للوصول إلى استنتاجها، كما هو الحال هنا أيضًا. تكمن الاختلافات الرئيسية في المستندات الطبية المقدمة من المدعين في كلتا الحالتين. وفي حالة ريان، تم تقديم وثائق طبية تثبت أن ريان حاول الانتحار بسبب رفضهم العميق لجسدهم والحاجة الملحة إلى العبور الجنسي.

وبالتالي، أدركت المحكمة أن رفض الاعتراف القانوني بالهوية الجندرية يمكن أن يؤدي إلى محاولات انتحار متكررة وإلحاق ضرر كبير بريان. بالإضافة إلى ذلك، كشفت الوثائق الطبية في قضية ريان أنهم خضعوا لعملية راب القضيب (فالوبلاستي) وتمكنوا من ممارسة الجنس بانتظام مع شريكهم، وهو ما اعتبرته المحكمة دليلاً على العبور الكامل والتغيير الذي لا رجعة فيه. وقد جعلت هذه الأدلة الطبية الأمر أكثر وضوحًا في قضية ريان لاستدعاء القانون الدولي لحقوق الإنسان وأحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، وعلى وجه الخصوص، الشريعة الإسلامية لتبرير الاعتراف القانوني بالهوية الجندرية.

أدى عدم وجود وثائق طبية مماثلة في هذه القضية إلى ميل المحكمة نحو رفض الاعتراف القانوني بالهوية الجندرية لسببين رئيسيين. أولاً، أكدت المحكمة على إمكانية عكس العلاجات التي خضع لها المدعي، وثانيًا، عدم وجود ضرورة طبية لتلبية متطلبات الشريعة الإسلامية للرعاية الصحية التي تؤكد الهوية الجندرية والاعتراف القانوني بها. ومع ذلك، فإن هذا النهج يثير سؤالاً حاسمًا: هل كانت المحكمة ستعتبر المدعي مستوفيًا لشرط الضرورة إذا كانت هناك أدلة على محاولات انتحار، كما في قضية ريان؟ ومن الممكن أن تكون المحكمة قد اضطرت إلى معالجة هذه المسألة. ومع ذلك، فمن غير المرجح أن تكون محاولات الانتحار وحدها قد أدت إلى تغيير الأساس المنطقي للمحكمة لرفض طلب الاعتراف القانوني بالهوية الجندرية للمدعي.

ومن الجدير بالذكر أن المحكمة استخدمت أسلوبًا مثيرًا للاهتمام في المنطق لدحض حق المدعي في الخصوصية من خلال استخدام ما يمكن وصفه بأنه “مبدأ التوازن العادل. فعادة ما تقوم المحاكم بطرح مسألة كيفية تحقيق التوازن العادل بين الحقوق الأساسية للفرد والحقوق الأوسع للدولة والمجتمع.

في هذه القضية، طرحت المحكمة سؤالًا حاسمًا: هل يمكن تقييد الحق في الاعتراف القانوني بالهوية الجندرية والرعاية الصحية التي تؤكد الهوية الجندرية لصالح المجتمع التونسي ككل؟ وأجابت المحكمة على هذا السؤال بالإيجاب. ومع ذلك، فإن الأساس المنطقي وراء هذه الإجابة يفتقر إلى التوضيح والتماسك المنطقي. وبينما استشهدت المحكمة بالعقيدة الإسلامية المصرية للتأكيد على أن عبور المدعي ينتهك الشريعة الإسلامية، إلا أنها لم تذكر بوضوح أن مثل هذا الانتهاك من شأنه أن يقيد الحقوق الفردية للمدعي في خدمة المجتمع الأكبر، بل تشير ضمنًا فقط إلى ذلك. علاوة على ذلك، أكدت المحكمة على غياب عملية رأب القضيب (فالوبلاستي) كمؤشر على عدم يقين المدعي بشأن هويته الجنسية وقدرته المحتملة على العودة إلى “جنسه البيولوجي”.

ومع ذلك، تجاهلت المحكمة حقيقة أن المدعي قد اتم عملية العبور طبيبا بالكامل من خلال التدخلات الطبية الأخرى، مثل العلاج بالهرمونات البديلة والعمليات الجراحية الكبيرة مثل الجراحة العلوية لإزالة الثديين، بالإضافة إلى نية المدعي المعلنة للخضوع لعملية رأب القضيب (فالوبلاستي) في المستقبل. والجدير بالذكر أن المحكمة فشلت في النظر في القيود المفروضة على نظام الرعاية الصحية التونسي، الذي لا يوفر خيارات للرعاية الصحية التي تؤكد الهوية الجندرية، مما يستلزم من الأفراد العابرين/ات جنسياً طلب العلاج في الخارج. وقد ثبت ذلك في حالات سابقة، حيث خضعت سامية للعمليات المؤكدة الهوية الجندرية في إسبانيا، وتابع ريان العلاج في ألمانيا.

علاوة على ذلك، في محاولتها لمعالجة المسألة المطروحة، أهملت المحكمة عمدًا فحص الضرر الكبير الذي قد يلحق بالمدعي إذا لم يتم منحهم الاعتراف القانوني بهويته الجندرية. يعيش المدعي كذكر ويمتلك جميع الخصائص البدنية للذكور؛ ومع ذلك، وبسبب التفاوت بين هويته الجنسية ووثائقه القانونية، فإن سبل عيشه بأكملها تتأثر. ويمنعه هذا التناقض من الحصول على العمل، أو السكن، أو الرعاية الصحية، أو التعليم. علاوة على ذلك، فإنه يجعل المدعي أكثر عرضة للمضايقات والعنف من جانب الدولة ومن غير الدولة.

وبالتالي، وعلى عكس حقوق المجتمع الأوسع، التي لم توضحها المحكمة، فإن حقوق الإنسان الأساسية للمدعي وقدرته على ممارسة الحياة اليومية في المجتمع التونسي يتم تقويضها بشكل كبير. ومن الواضح، إذن، أن التوازن العادل يميل نحو منح الاعتراف القانوني بالهوية الجندرية أكثر من تقييد حقوق الإنسان الأساسية الفردية للمدعي من أجل المجتمع الأوسع. وعلى الرغم من الأدلة المقدمة التي تثبت خطورة حرمان المدعي من الاعتراف القانوني بهويتهم وحقيقية مسألة العبور الجنسي، لجأت المحكمة إلى مبدأ التوازن العادل لحرمان المدعي من حقه في حماية حياته الشخصية وبالتالي الحق في الاعتراف القانوني بهويته الجندرية، مؤكدة أن ذلك يصب في مصلحة المجتمع. ومع ذلك، كما ذكرنا سابقًا، فشلت المحكمة في تقديم مبرر منطقي لكيفية تأثير العبور الجنسي للمدعي على المجتمع التونسي. وبدلاً من ذلك، فإن اعتماد المحكمة على الشريعة الإسلامية، ومفهوم العبور الجنسي الغير مكتمل، والضرورة الطبية يشير إلى أن الحكم تأثر بالتحيزات الاجتماعية والدينية بدلاً من أن يستند إلى فحص قانوني وطبي شامل لتحديد أي ضرر مجتمعي محتمل ناتج عن العبور الجنسي للمدعي. وبدلاً من ذلك، فمن المعقول أن المحكمة رفضت طلب المدعي خوفا من احتمال تضرر الثنائية البيولوجية المعيارية المتغايرة.

ويتجلى هذا الموقف القضائي، الذي يدعم الثنائية البيولوجية، في توصيف المحكمة لجواز معاملة “تغيير الجنس” وفقًا للشريعة الإسلامية. تسمح المحكمة بمثل هذا العلاج للأفراد ثنائيي الجنس (الانترسكس)، الذين هم بالفعل خارج الثنائي بيولوجيًا وليس لديهم أي ملاذ آخر سوى العمليات الجراحية “لتصحيح” جنسهم الثنائي، ولكنها ترفض ذلك بالنسبة للأفراد العابرين/ات جنسيًا بناءً على توافقهم البيولوجي الحالي داخل الثنائي. وبالتالي، تؤكد المحكمة أن عبور الأفراد العابرين/ات جنسيًا من شأنه أن يخل بالنظام السائد الذي يعتبر مقبولاً من قبل الفقهاء الإسلاميين، وفي هذه الحالة بالذات، من قبل المحكمة أيضًا.

ولذلك فإن هذا الحكم مثال للتوجه القضائي السائد في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والذي يتوافق في كثير من الأحيان مع مبادئ الشريعة الإسلامية لحرمان الاعتراف القانوني بالهوية الجندرية، ويؤكد في كثير من الأحيان أن الأفراد العابرين/ات جنسيًا لا ينبغي أن يحصلوا حتى على الرعاية الصحية المؤكدة للهوية الجندرية. ومن المثير للاهتمام أن المحكمة تعترف بوجود اضطراب الهوية الجندرية، والذي تشير إليه باسم “Transsexulism”. ومع ذلك، فهي تعتبره مجرد مرض نفسي ولا تدرس آثاره على الفرد العابر جنسيًا أو تنظر في خيارات العلاج المحتملة، مثل الرعاية الصحية المؤكدة للهوية الجندرية. كما يتم مواجهة مثل هذا النهج القضائي بشكل شائع في السوابق القضائية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث يتم إما تجاهل الرعاية الصحية المؤكدة للهوية الجندرية كعلاج لاضطراب الهوية الجندرية أو تتم معاقبة المدعي العابر من خلال توظيف العلاجات الأخرى مثل علاج التحويل لمعالجة “مرضهم النفسي”.

ويؤكد التحليل المقدم هنا أيضًا على ضرورة إنشاء إطار تشريعي أو سابقة قانونية ملزمة في تونس من شأنها أن تسهل تحقيق الاعتراف القانوني بالهوية الجندرية من خلال أساس قانوني ملموس بدلاً من أن يكون مرهونًا بوجهة النظر الذاتية للمحاكم الفردية. وبالتالي، من الضروري تطوير استراتيجية قوية للتقاضي الاستراتيجي من شأنها أن تؤدي إلى حكم إيجابي من خلال محكمة النقض التونسية أو المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان والتي تونس عضو فيها. في هذا الصدد، يمكن لمثل هذه الاستراتيجية الاستفادة بشكل فعال من الأحكام السابقة، بغض النظر عن نتائجها، كوسيلة لتحديد السبل القانونية الحاسمة التي يمكن من خلالها الدعوة إلى الاعتراف القانوني بالهوية الجندرية للأفراد العابرين/ات جنسيًا في تونس.

المحاكم الاقتصادية المصرية: المثلية الجنسية مجرمة بشكل صريح بموجب قانون الجرائم الإلكترونية

المحاكم الاقتصادية المصرية: المثلية الجنسية مجرمة بشكل صريح بموجب قانون الجرائم الإلكترونية

 المحاكم الاقتصادية المصرية: المثلية الجنسية مجرمة بشكل صريح بموجب قانون الجرائم الإلكترونية

كتابة: نورا نورالله

تاريخ: 24/01/2024 

في الأحكام الأخيرة التي تم الحصول عليها من خلال برنامج التمثيل القانوني المجاني التابع لمركز القاهرة 52، أكدت المحكمة الاقتصادية بالإسكندرية، من خلال أحكام متعددة، أن المادة 25 من قانون الجرائم الإلكترونية تجرم المثلية الجنسية صراحة. التفسير الجديد هو خطوة قضائية خطيرة في تجريم هويات مجتمع الميم عين، حيث يتحول التجريم من التجريم بحكم الواقع إلى تجريم بشكل صريح. تنص المادة 25 على أن أي انتهاك للقيم الاجتماعية والأسرية يعاقب عليه بالسجن مدة لا تقل عن ستة أشهر وغرامة تتراوح من 50 ألف جنيه إلى 100 ألف جنيه.

غموض هذه المادة  أثار جدلاً لأنه يفتقر إلى تعريف واضح لما يشكل القيم الأسرية والاجتماعية، مما يجعلها عرضة للاستغلال والتأويل. حاولت المحكمة الاقتصادية، في قضايا مختلفة، تفسير هذه المادة بالتقاطع مع المادة 9 (ج) من قانون مكافحة العمل بالجنس التجاري رقم 10/1961. حتى عام 2020،اعتمدت السلطات المصرية في المقام الأول على المادة 9 (ج) وقانون مكافحة العمل بالجنس التجاري رقم 10 لسنة 1961 لمحاكمة أفراد مجتمع الميم عين. التهمة الأساسية هنا هي “الفجور”، والتي تشير قانونيًا إلى العمل بالجنس التجاري للذكور. لكن تفسيرات محكمة النقض في السبعينيات قوضت شرط التبادل المالي كعنصر أساسي في الجريمة، وبدلاً من ذلك اعتبرت عنصري الاعتياد في الفعل وعدم التميز مع شركاء متعددين عناصر كافية لأثبات وقوع جريمة الدعارة (العمل بالجنس التجاري للاثني) وجريمة الفجور (العمل بالجنس التجاري للذكور).

ادي التعريف الجديد لتلك الجرائم إلى توسيع نطاق محاكمة الأفراد بتهمة التورط المزعوم في العمل بالجنس التجاري، حتى لو لم يكونوا منخرطين فيه بشكل فعلي. بدءًا من تسعينيات القرن الماضي، وسّعت السلطات المصرية تدريجيًا نطاق استخدام قانون مكافحة العمل بالجنس التجاري رقم 10 لسنة 1961 لاستهداف أفراد مجتمع الميم عين المنتمين لجنس الذكور في الأوراق الثبوتية. ومع ذلك، أكدت محكمة النقض والمحاكم الابتدائية باستمرار أن أولئك الذين حوكموا قاموا بالانخراط بالفعل في العمل بالجنس التجاري وأنهم لم تتم محاكمتهم بسبب هويتهم الكويرية. ومع ذلك، أظهرت بعض المحاكم تحيزًا واضحًا في أحكامها بناءً على هويات الأفراد الكويرية.

صدر قانون الجرائم الإلكترونية رقم 175/2018 بالعام 2018، والذي يتضمن العديد من المواد التي من شأنها تقييد الحريات الشخصية على الإنترنت، مع الإشارة بشكل خاص إلى المادة 25. خلال المناقشات البرلمانية حول القانون، دعا العديد من أعضاء البرلمان إلى استخدامه في مكافحة ما اعتبروه حدودًا جديدة خطيرة: “الفجور والدعارة السيبرانية.” بناء عليه, في عام 2019 أنشأ النائب العام إدارة الاتصال والإرشاد ووسائل التواصل الاجتماعي (CGSMD)) داخل وحدة المراقبة والتحليل (MAU) لمراقبة مستخدمي الإنترنت بحثًا عن الفجور، من بين أنشطة أخرى، كما تم التأكيد عليه في التصريحات العامة للنيابة العامة في عام 2020:

 

لقد تأكد أنه استحدث لبلادنا حدود رابعة خلاف الحدود البرية والجوية والبحرية تؤدي بنا حتمًا إلى تغييرات جذرية في سياسة التشريع والضبطيات الإدارية والإلكترونية، مما يحتاج إلى ردع واحتراز تام لحراستها كغيرها من الحدود، وتؤكد النيابة العامة أن تلك الحراسة ليست دعوة لتتبع الناس وحرماتهم الخاصة، ولا استطالة على الحريات أو تقييدًا لها، ولا دعوة إلى الرجعية ورفض التطور وإنما هي تصدٍ لظواهر ورائها قوى للشر تسعى لإفساد مجتمعنا وقيمه ومبادئه

 

بعد مرحلة انتقالية تم نقل الولاية القضائية على الجرائم المرتكبة في المجال الرقمي رسميًا إلى المحاكم الاقتصادية بموجب قانون الجرائم الإلكترونية. وبالتالي، فإن الجرائم التي يتورط فيها أفراد من مجتمع الميم عين الذين تم القبض عليهم من خلال تطبيقات المواعدة مثل Grinder أو منصات التواصل الاجتماعي مثل Facebook ستتم معالجتها ومحاكمتها في المحاكم الاقتصادية بموجب أحكام قانون الجرائم الإلكترونية.

في البداية، اتجهت المحاكم الاقتصادية إلى تفسير قضايا الفجور وفق الإطار المنصوص عليه في قانون مكافحة العمل بالجنس التجاري,  فتعاملوا مع هذه القضايا علي أساس انها قضايا تخص العمل بالجنس التجاري ، وطلبوا أدلة تثبت العنصرين الأساسيين كما نص عليه التشريع المذكور أعلاه.. ومع ذلك، فقد حدث تحول مؤخرًا، حيث بدأ بعض القضاة في تفسير المادة 25 بطريقة تجرم صراحة الأفعال المثلية دون الحاجة إلى تحديد العناصر الأساسية للفجور على النحو المنصوص عليه في قانون مكافحة العمل بالجنس التجاري.

أصدرت محكمة الإسكندرية الاقتصادية في نوفمبر 2023 حكم هام وخطير يجسد هذا الاتجاه القضائي الحديث. في هذه القضية، تم القبض على رجل مثلي عبر Grindr بتهمة التحريض على الفجور والاعتياد عليه بموجب قانون مكافحة العمل بالجنس التجاري، وإساءة استخدام وسائل الاتصالات، وانتهاك القيم الأسرية والاجتماعية بموجب قانون الجرائم الإلكترونية. وكانت الأدلة المقدمة ضعيفة ولم تثبت ارتكاب جريمة الفجور، كما حددها قانون مكافحة العمل بالجنس التجاري. وعليه قررت المحكمة الي النظر الي فعل المثلية كجريمة قائمة علي نفسها يمكن من خلالها اثبات وقوع جريمة الفجور تحت المادة 25 من قانون الجرائم الالكترونية. ركزت المحكمة فقط على تفسير المادة 25 من قانون الجرائم الإلكترونية، مما أدى إلى الإدانة ببسبب الانخراط في أفعال مثلية بشكل صريح وليس بسبب الانخراط بالعمل بالجنس التجاري كما متعارف عليه قضائيا في قضايا الفجور. وشددت مريم شاهين، محامية من الوحدة القانونية في مركز القاهرة 52، على المخاطر المرتبطة بالمادة 25 في هذه الحالات:

القاضي يسيء تفسيره لمادة “الاعتداء على قيم الأسرة المصرية”، والحكم يوضح أن القاضي يلتوي على نصوص القانون ليصل إلى تفسير ديني يُشوب بسوء السمعة لإدانة المثليين. ونقول “سوء السمعة” لأن المادة مطاطية وغامضة ومبهمة، ولا يجوز في التشريع الجنائي أبدًا أن تحتوي النصوص على مثل هذه العبارات. فالنص الجنائي يجب أن يكون واضحًا وصريحًا وأن يحدد الأفعال المجرمة بوضوح، حتى يضمن حماية المواطنين من التعرض للعقوبة القانونية إذا امتنعوا عن ارتكابها. وليس تحويلها إلى سيف مسلط على حريات الأشخاص وفقًا للهوى والآراء الشخصية

وناقشت المحكمة في حكمها مراجع قانونية لتفسير “الفجور” بموجب المادة 25 من قانون الجرائم الإلكترونية من خلال النظر في تطبيق القانون الدستوري والشريعة الإسلامية من أجل تفسير المادة 25 من قانون الجرائم الإلكترونية على أنها تجرم المثلية الجنسية بشكل صريح، وأشارت المحكمة إلى المواد 2 و10 و47 من الدستور. وتنص المادة 2 على أن “الإسلام دين الدولة.. ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع”، في حين تؤكد المادة 10 على أهمية الأسرة باعتبارها أساس المجتمع، قوامها دينيًا وأخلاقيًا ووطنيا وبالتالي وجوب حمايتها من الدولة. علاوة على ذلك، تلزم المادة 47 الدولة بالحفاظ على الهوية الثقافية المصرية ذات الأصول الحضارية المتنوعة.

وبما أن الشريعة هي المصدر الرئيسي للتشريع، فقد استشهدت المحكمة بالآيات القرآنية التي تدين المثلية الجنسية باعتبارها خطيئة في الإسلام:

” وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ.  إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ” (الآيتان 80 و81 من سورة الأعراف)

“قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ. “ (الآيتين 81 و82 من سورة هود)

 

وبالتالي، خلصت المحكمة إلى أنه وفقًا للدستور، فإن الدولة ملزمة بحماية القيم الاجتماعية والثقافية والأسرية المصرية. وعند تفسير هذه القيم في سياق تهمة “الفجور،” استخدمت المحكمة تفسير الشريعة الإسلامية للآيات المذكورة أعلاه لتتماشى مع الفهم القانوني بأن المثلية الجنسية تعتبر خطيئة في المجتمع. وعليه، تحولت تهمة “الفجور” بموجب المادة 25 من قانون الجرائم الإلكترونية إلى تهمة تجرم الهوية والافعال المثلية بشكل صريح:

 

وهو الأمر الذي من جماعه تخلص المحكمة إلى أن ممارسة الفجور في حد ذاتها دون حاجة لإعلان وسواء كانت بمقابل أو بدون مقابل تمثل تعديا على قيم وتقاليد المجتمع المصري التي تقوم على التمسك بالدين والمحافظة على الأخلاق والعمل على استقرار الأسرة المصرية والحفاظ على الثقافة المصرية من شوائب الثقافات الغربية التي وصلت إلينا عبر وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة ومن أشهر أمثلتها الشذوذ الجنسي

 

وهذا التفسير وغيره، لاحظته الوحدة القانونية بالقاهرة 52 في قضايا أخرى من المحاكم الاقتصادية بمدينة طنطا ومحافظة أسيوط، حيث تعتبر أفعال المثلية الجنسية في حد ذاتها منافية للأديان الإبراهيمية، وبالتالي تعديًا على الأسرة والحقوق والقيم الاجتماعية كما وردت في المادة 25. ويعتبر هذا الانتهاك أمرًا بديهيًا، مما ينفي ضرورة إثبات وقوع جريمة “الفجور” المنصوص عليها في قانون مكافحة العمل بالجنس التجاري. وعلقت شاهين على هذه التفسيرات وعلى حكم محكمة الإسكندرية الاقتصادية بما يلي:

يعتبر هذا الحكم من أخطر الأحكام التي تناولت قضايا الفجور في القضاء المصري مؤخرًا، حيث تغافل عن تعريف أركان جريمة ممارسة الفجور وفقًا لما استقرت عليه أحكام محكمة النقض وكذلك المذكرة التوضيحية للقانون رقم ١٠ لسنة ١٩٦١. بينما ضربت حيثيات هذا الحكم عرض الحائط بكل هذا البنيان القانوني والقضائي وجنح إلى تفسير غريب وملتوٍ قرن فيه ممارسة الفجور صراحة بممارسة المثلية الجنسية مستخدمًا تفسيرات جديدة للدستور والشريعة والنصوص الدينية.

علاوة على ذلك، تجدر الإشارة إلى أن هذا التفسير  القانوني الخاص بالمواد الاخلاقية والذي يوسع مفهوم الاخلاقيات والمبادي المصري ليشمل أفراد مجتمع الميم عين ضمن نطاق البنود الأخلاقية في المواد القانونية المختلف، قد اكتسب زخمًا داخل القضاء المصري في السنوات الأخيرة. في عام 2015،أقرت محكمة القضاء الإداري بالقاهرة سابقة قانونية بان مجرد الشك في المثلية الجنسية يعتبر أساس قانوني كافي لتفعيل البنود الأخلاقية في قوانين الهجرة المصرية، مما يؤدي إلى منع دخول الأجانب المثليين وترحيلهم. وفي عام 2016، طبقت المحكمة الإدارية بالقاهرة منطقًا مشابهًا لذلك الذي اعتمدته محكمة الإسكندرية الاقتصادية عند تفسير المادة 2 من الدستور لمنع الاعتراف القانوني بالهوية الجندرية للعابرين/ات. وشددت المحكمة على أن الفقهاء الإسلاميين يرفضون عمليات تغير الجنس أو حتى والاعتراف القانوني بالهوية الجندرية الناتجة عن عمليات تغير الجنس. وبالتالي، رفضت المحكمة طلب المدعي للاعتراف القانوني بجنسه الجديد، مشيرة إلى أن أفعاله تنتهك الشريعة الإسلامية، وبالتالي الدستور المصري. وبالمثل، في عام 2023،قضت المحكمة الإدارية العليا في مصر بأن البنود الأخلاقية في قانون الخدمة المدنية في البلاد تشمل المثلية الجنسية مما يسمح بإنهاء خدمة الموظفين الحكوميين لهذه الأسباب.

وبالتالي، فإن الآثار المترتبة على مجتمع الميم عين في مصر من تلك التفسيرات القانونية الاخلاقية متعددة الأوجه. أولاً، قد يؤدي القبول واسع النطاق المحتمل لهذا التفسير القانوني الجديد للفجور إلى زيادة صعوبة ضمان البراءة في المستقبل القريب، حيث غالبًا ما تعتبر المحاكم التواجد على منصات مثل Grindr دليلاً كافيًا على المثلية الجنسية.

ثانياً، يمكن ملاحظة زيادة متوقعة في التحيز والتمييز داخل النظام القانوني، حيث قد تحول وكالات إنفاذ القانون وهيئات الادعاء تركيزها من إثبات “الفجور” بموجب قانون مكافحة العمل بالجنس التجاري إلى إثباته بموجب قانون الجرائم الإلكترونية. كما أنه من المرجح أن يؤدي هذا التحول في الاستراتيجية إلى زيادة التدقيق والتركيز على هويات الأفراد الكويرية.

ثالثا، تؤكد هذه الأحكام على الحاجة الملحة إلى نهج تقاضي استراتيجي فعال. ومن الضروري الاعتراف بأن المحاكم الدنيا هي المسؤولة عن إصدار مثل هذه التفسيرات، مما يستلزم فحص الأمر من قبل محكمة النقض لتحديد الصلاحية القانونية لهذا التفسير. وبالتالي، يصبح من الضروري الاستعداد لهذا الاحتمال والعمل على تبني استراتيجية قانونية تودي إلى إصدار حكم إيجابي من محكمة النقض يرفض مثل هذه التفسيرات، وبالتالي إرساء مبدأ قانوني وطني قابل للتطبيق في جميع المحاكم.

رابعا، هناك حاجة ملحة لتطوير استراتيجيات دفاعية جديدة مصممة بشكل واضح لقانون الجرائم الإلكترونية. وقد أصبح استخدام هذا القانون، بدلا من قانون مكافحة العمل بالجنس التجاري، منتشرا بشكل متزايد في السنوات الأخيرة. ومع ظهور محاكم وقوانين جديدة، ينتج الطلب على استراتيجيات دفاع جديدة فعالة. وبالتالي، من المهم مشاركة المحامون في تجارب قانونية واسعة النطاق خلال الفترة المقبلة للتأكد من النهج الذي يؤدي إلى نتائج إيجابية في هذا المشهد القانوني المتطور. ومن الضروري رصد ونشر المعرفة المتعلقة بالاستراتيجيات الناجحة لضمان تنفيذ إطار وطني فعال.

أخيرًا، في حين أن هذه التفسيرات تمثل خطرًا كبيرًا على مجتمع الميم عين في مصر، إلا أنها يمكن أن تكون أيضًا بمثابة دليل قيم لجهود المناصرة المستقبلية ضد سوء معاملة مصر لأفراد الميم عين. حتى الآن، كان من الصعب إثبات أن مصر تستهدف قانونيا على وجه التحديد الأشخاص من مجتمع الميم عين بناءً على هويتهم وليس بسبب مشاركتهم في العمل بالجنس التجاري ،الموقف الذي حافظت عليه مصر على الساحة الدولية لحقوق الإنسان لفترة طويلة. أكدت الحكومة المصرية باستمرار أن نظامها القانوني لا يجرم افراد مجتمع الميم عين وأن القوانين المعمول بها تعالج فقط القضايا المتعلقة بالعمل بالجنس التجاري، على غرار التشريعات في الدول الغربية. وبالتالي، كان من الصعب تقديم دليل قانوني على محاكمة أفراد مجتمع الميم عين بناءً على هويتهم فقط. ومع ذلك، فإن هذه التفسيرات تغير هذه الرواية من خلال الكشف عن أن القضاء المصري يومن بالفعل أنه يجب محاكمة أفراد مجتمع الميم عين فقط بسبب هويتهم، بغض النظر عما إذا كانوا متورطين في العمل بالجنس التجاري أم لا.

في السنوات المقبلة، من المتوقع أن تعزز مصر إطارها القانوني ضد مجتمع الميم عين من خلال الاعتماد على تفسيرات البنود الأخلاقية ضمن القوانين المصرية، الأمر الذي سيزيد من تقييد حقوق الإنسان لأفراد مجتمع الميم عين. ومن الجدير بالذكر أن سن قانون الجرائم الإلكترونية سيكون بمثابة أداة إضافية من المرجح أن يتم استخدامها بشكل متكرر في القضايا التي تشمل أفراد من مجتمع الميم عين، بهدف تأمين الإدانات. وبالتالي، من الضروري مراقبة هذه التطورات عن كثب من أجل دعم الحركة الكويرية المصرية في وضع وتنفيذ استراتيجيات فعالة لمكافحة الارتفاع السريع في الإجراءات القانونية المناهضة لمجتمع الميم عين في البلاد.

الجنس والطب والسلاح: صفحات من تاريخ الجنس التجاري في مصر الحديثة

الجنس والطب والسلاح: صفحات من تاريخ الجنس التجاري في مصر الحديثة

الجنس والطب والسلاح: صفحات من تاريخ الجنس التجاري في مصر الحديثة

بمجرد أن بدأ عملي في الوعظ ، نزلت النساء من الغرف حولي و شتمنني بألسنة عديدة ، ولغات عديدة من بلاد الشام ، وبالفرنسية ، والعربية ، والإيطالية ، واليونانية ، والإنجليزية المكسرة … أخيرًا  أغضبتهم حقيقة أنه لم يكن هناك رجل واحد يدخل منزلهم ، حاولت سيدتهم (المرأة التي تشغل المكان) ، كما فعلوا في مناسبات مماثلة عمومًا ، إثارة الشغب.

-Guy Thornton, Chaplain of the Australian and New Zealanders Army 1916

الصدمة الفرنسية ومحمد علي:

كانت وما زالت العلاقة بين الدولة المصرية الحديثة (منذ الاحتلال الفرنسي وحتى الآن) والجنس التجاري علاقة معقدة، ورغم أن الحكام من العثمانيين والمماليك قبل الحملة الفرنسية قننوا الجنس التجاري ونظموه بتسجيل العاملات والقوادات وفرض الضرائب ولكن هذا كله كان لغرض جمع الضرائب والأموال فقط بدون اي خدمات في المقابل او اهتمام بالعاملات او زبائنهن، وكانت الضرائب المفروضة على الجنس التجاري تمثل مصدر دخل كبير خاصة لرجال الادارة والمسئولين فتصل الضرائب الرسمية المحصلة من العاملات في حدائق القبة فقط ١٠٦١٦ نصف فضة (عملة ذلك العصر)1، بينما كان الوالي (مدير امن العاصمة) ورجاله يدخل في جيوبهم ما يزيد على ٥٠٠٠٠ نصف فضة شهريًا وفقا للجبرتي، فقد كانت مسألة الجنس التجاري بالنسبة لهم مسألة مالية ومصلحة بحتة، ولم تخطر المسألة الصحية على البال قط حتى الحملة الفرنسية على مصر… وأقام الفرنجة في غيط النوبي بالقاهرة بيوتا خاصة للجنس التجاري وقننوه وفرضوا رسومًا عليه، حتى عام ١٧٩٩ حيث منع الفرنسيون محال الجنس التجاري ٣٠ يوما إعتقادًا بانها كانت احدى وسائل انتشار الطاعون المنتشر في ذلك العصر، فنشأ مع الدولة المركزية الحديثة والجيوش النظامية التي جلبها الفرنجة نوعًا من القلق الصحي العسكري تجاه الجنس التجاري، نجد صداه في عصر محمد علي وحملاته على سوريا2

 

 في شتاء ١٨٣١م، عانت المستشفيات الميدانية في سوريا تحت وطأة الاعداد الكبيرة من جنود جيش محمد علي المصابين بالزهري ، مما دفع كلوت بيك رئيس أطباء الجيش المصري إلى كتابة رسائل إلى اطباء الجيش لفحص الرجال دوريًا وكيفية الاعتناء بمرضى الزهري مؤسسًا لموقف كلوت بيك الذي سيتكرر من الجنس التجاري وآثاره الصحية على المجتمع، مُنعت الحانات والبارات في سوريا عام ١٨٣٢-١٨٣٣م خلال الحملة المصرية لأسباب عدة اهمها مشاكل الانضباط التي سببها في الجيش الجنود السكارى والعاملات المتواجدين في المعسكرات، وانتشار الأمراض الجنسية بين الجنود تحت وطأة الضغط الغريزي لممارسة الجنس في غيابهم عن زوجاتهم لسنوات2، وبإدراك ذلك استجاب محمد علي لطلبات الجنود بالسماح برفقة زوجاتهم لهم في الحرب مما خفف من تذمرات الجنود المحرمون من طلب الجنس التجاري.

 

 عام ١٨٣٤م وتحت تأثير التجربة السورية ومشاكل الانضباط العسكري والامراض الجنسية، وإرضاءًا للشيوخ والرأي العام، منع محمد على الرقص العمومي والجنس التجاري  في القاهرة وفرض عقوبة ٥٠ جلدة في المرة الأولى، وبالسجن مع الاشغال الشاقة لمدة سنة او اكثر في حالة تكرار المخالفة، ورغم ما قد يظنه البعض من أن القرار قد كان حلا مناسبا للمشاكل العسكرية والصحية التي كان يمثلها الجنس التجاري إلا أنه على النقيض قد أدى لانتشار الجنس التجاري غير الرسمي على نطاق واسع.

 

ربما يكون لكلوت بيك الفضل الأول في النهضة الصحية للنظام الصحي المصري على النظام الغربي الحديث، فكان من أشار على محمد علي بإنشاء مدرسة الطب وتعرف حاليا بقصر العيني أقدم كلية طب في مصر، وأدخل التطعيم ضد الجدري في مصر، بالإضافة لإسهاماته الطبية أثناء حملات محمد علي التي ذكرنا جزءًا منها. في عام ١٨٤٧ وصلت تقارير لكلوت بيك عن تفشي الزهري بين طلاب المدارس العسكرية، والتي ربطها بانتشار الجنس التجاري غير المُنظم، وكتب للخديوي رسالة ينصح فيها بضرورة الفحص الطبي الدوري عن العاملات بالجنس التجاري وعلاجهن كما يحدث في اوروبا، وكانت الرسالة مشوبة بنوع من العنصرية الاوروبية واصفا العاملات المصريات بأنهن” لا يجدون حرجا في ممارسة الدعارة، فلن يجدون حرجا في الكشف الطبي.. وسنقدم خدمة مجانية لهم ولزبائنهن”. ونوه كلوت بيك ان الزهري أخطر من الطاعون، وأكد على ان منع الجنس التجاري ليس حلاً لأن الرجال سيجدون وسائل أخرى أكثر لاأخلاقية -في نظره- كالمثلية والزنا2.

 

الإحتلال البريطاني وما بعده:

رغم الملاحظات والنصائح المبكرة من كلوت بيك إلا أن التطبيق الفعلي لهذا النظام الذي طالب به لم يبدأ إلا مع الاحتلال البريطاني لمصر ١٨٨٢م، حيث جاء الإنجليز بفلسفة مختلفة عن فلسفة المصريين في الجنس التجاري، فرأى الإنجليز العاملات به لا خاطئات -وكن يعرفن في مصر بالخواطي من ضمن أسماء كثيرة- ولكن كضحايا للظلم الاجتماعي والاقتصادي، وفي نفس الوقت مصدر قلق صحي كبير، وبعد أشهر قليلة من الاحتلال أُصدر منشور للكشف عن العاملات للحد من انتشار الأمراض التناسلية، وفي عام ١٨٨٥م أصدرت اللائحة الأولى للتفتيش على العاملات وأنشئ أول مكاتب لفحص العاملات في القاهرة والأسكندرية،  وتم تعديل هذه اللائحة مرة أخرى في عام ١٨٩٦ ثم عام ١٩٠٥ الذي شهد اكتمال آخر لائحة لتنظيم الجنس التجاري من ٢٨ مادة والتي استمر العمل بها حتى عام ١٩٥١ ومنع الجنس التجاري تماما في مصر3. نصت لائحة عام ١٩٠٥ على عدة قواعد تهتم بتحديد شروط محال الجنس التجاري ووصفها وصفات العاملات بها وسنهم، كما نصت على تجديد رخصتهن سنويا مع الكشف الطبي الأسبوعي وتعليمات العلاج بالاضافة للعقوبات المترتبة على مخالفة بنود اللائحة.

 

قبل الحرب العالمية الأولى كان جنود الاحتلال مسموح لهم بممارسة الجنس مع العاملات الاجنبيات فقط، اللائي لم يُدرجن  ضمن اللوائح الرسمية حتى عام ١٩١٤م، حيث كان يرى الاوروبيون ان المصريين والشعوب غير الانجلو-ساكسون اقل مرتبة واخلاقا منهم، ويمكن إيجاد صدر هذا الاعتقاد في بعض كتابات كلوت بيك أيضا، وارتبط هذا الاعتقاد بأن العاملات غير الأوروبيات تحملن أنواعا اكثر خطورة واسرع انتشارا من الزهري، لذلك  كان هنالك نوع من التفرقة بين العاملات المصريات وغير المصريات، ورغم ذلك كانت نصب الاصابة بالأمراض الجنسية بين جنود الاحتلال في مصر عام ١٩١٢ ١١٪ أعلى من الهند وبريطانيا اللاتي كانت معدلاتهم ٥.٥٪.

 

أثناء الحرب العالمية الأولى (١٩١٤-١٩١٨م), عادت المخاوف العسكرية من الأمراض الجنسية، وفي أبريل عام ١٩١٥ قامت معركة حارة الوزير “معركة الوسعة” بين الجنود الاستراليين والعاملات بالجنس التجاري إثر شائعات عن إصابة الجنود بأمراض جنسية من العاملات، ودارت عدة معارك وانتفاضات من العاملات بعد ذلك، مما أسس لعلاقة قلقة بين الاحتلال البريطاني و الجنس التجاري مهدت لنشوء تيار من داخل القيادات العسكرية تهدف للقضاء تمامًا على الجنس التجاري كأحد مصادر “الشر”.

 

 تذكر التقارير الاسترالية أن اكثر من ٦٠٠٠ جندي استرالي (١٣٪) عولجوا من الامراض الجنسية في القاهرة عام ١٩١٦م، بينما وصلت نسبة الجنود الإنجليز المعالجين من الامراض الجنسية ل١٢٪ في نفس العام. نشأ نوع من الجدال في تلك الفترة حول مخاطر الجنس التجاري في الاوساط النخبوية والعسكرية والصحية، وكيفية علاجها ترتب عنها انقسام الرأي العام بين سلطات الإحتلا إلى رأيين، الرأي الليبرالي الذي رأى ان الحل في تنظيم الجنس التجاري، والرأي المحافظ الذى رأى ان القضاء على الجنس التجاري تماما هو الحل للقضاء على الامراض الجنسية.

 

لجنة التطهير والحرب العالمية الأولى:

تشكلت “لجنة التطهير بالقاهرة” عام ١٩١٦ من القيادات العسكرية وبعض الشخصيات العامة والأطباء حول المخاطر الصحية للجنس التجاري لتختبر مدى صلاحية مواد لائحة ١٩٠٥م وكيف تُطبق، وتوصلت إلى أن طرق الكشف المنصوص عليها في القانون واللوائح لا تطبق على الوجه الصحيح مما أدى لأن 2-4% من العاملات الرسميات التي كشف عليهن مصابات بأمراض تناسلية و6-30% من العاملات غير المسجلات التي قبض عليهن مصابات بأمراض تناسلية مختلفة3. طالبت اللجنة الحكومة بإجراءات راديكالية ل”تطهير” القاهرة تتضمن أولا التعليم الأخلاقي الصارم للجنود والظباط وثانيا، إخضاع كل من الآتي للإيقاف تحت سلطة القوانين العرفية:

١- الراقصين والراقصات

٢- المثليين

٣- القوادون ومحال الجنس التجاري

٤- من ثبت نقلهم للأمراض الجنسية للآخرين

٥- الخمور والحشيش والكوكايين

 

وكانت من الاصوات التي طالبت بالتطهير الأخلاقي للجنس التجاري جاي ثورنتون القسيس والنقيب المسئول عن فرقة المشاة النيوزليندية في القاهرة، الذي دخل في صراعات كثيرة مع العاملات بالجنس التجاري في محاولات “لإنقاذ” الجنود النيوزلينديين من الوقوع في براثن الجنس التجاري عبر عظاته التي عادة ما هاجمته العاملات فيها.

 

واستمرت لجنة التطهير في عملها حتى انقضاء الحرب العالمية الأولى، والذي لم يكن في غاية الفعالية، فبمحاربة الجنس التجاري الرسمي انتقلت العاملات ببساطة لاماكن أقل مراقبة من الحكومة، بعضهم انتقلن لأماكن اكثر شعبية يندر وجود الشرطة فيها، بعضهن تخفين في صورة “فنانات”، مما أدى لمطاردة السلطات للفن والفنانات في فورة من الغضب الأخلاقي لما يمثله الفن من “قلة ادب”…

 

ونشأ داخل لجنة التطهير آراء تطالب بالوقاية الكيميائية ضد ال”طهارة الأخلاقية” التي طالب بها غالبية اعضاء لجنة التطهير، كممثلين لكلا وجهتي النظر الليبرالية والمحافظة داخل اللجنة، وكانت تتكون حزم الوقاية الكيميائية التي توفرت للجنود فقط من مرهم كالوميل ضد الزهري وأقراص برمنجنات البوتاسيوم لمنع مرض السيلان، ونشأت عيادات للتطهير بعد الجنس في مصر عام ١٩١٦ تخدم الجنود قبل ذهابهم للمعسكرات بعد الجنس، تقوم على غسل القضيب بسوائل مختلفة لتطهيره، والتي لم تلق رواجا كبيرا ولكن أثرت في الثقافة المصرية بعد ذلك، وكان المحافظون معارضين لمثل هذه الوسائل لأنها ت”نورماليز” الجنس التجاري وتعطي للجنود احساسا بالأمان بينما يجب أن يشعروا بالخجل لما يفعلونه⁴.

 

وبعد الحرب العالمية الأولى، استمرت وجهة النظر المحافظة داخل الجيش البريطاني الداعمة للقضاء على ارتياد الجنود لمحال الجنس التجاري في السيادة الظاهرية رغم استحالة التطبيق، فقد كانت هنالك بعض محال الجنس التجاري المميزة التي يُسمح للجنود الذهاب إيها باريحية وتخضع لرقابة وثقة القادة الإنجليز، وفي عام ١٩٢١ تقرر منع جميع جنود الاحتلال البريطاني من ارتياد أي بيوت للجنس التجاري، وتأكيد ذلك في منشورات عدة مرات عام ١٩٢٥م، ولكن كل هذه المنشورات الرسمية لم تكن قابلة للتطبيق وظلت قوات الاحتلال الإنجليزي في مصر متخبطة بين المثل العليا المحافظة “المتمدمنة” التي تدعي أنها تمثلها، وعدم واقعية تلك المثل، تكتب الآنسة فلورنس ويكفيلد الناشطة بحقوق المرأة واصفة الوضع بعد سؤال احد الظباط السابقين⁴:

 

 تشعر السلطات العسكرية في مصر أنها لا يمكنها أن تتوقع من الجنود أن يمارسوا ضبط النفس المستمر، وأنه “يجب أن يُسمح للرجال بتفريغ الضغوط أحيانًا”. ولذلك، يتم منح إذن من خلال “تلاعب لفظي” لزيارة بعض البيوت في إحدى المناطق المنفصلة. سألت العقيد كيف يعرف الرجال أي البيوت يذهبون إليها؟ بعد لحظة من التفكير، قال إنه لا يعرف. تلقيت المعلومات في وقت لاحق من ضابط شرطة بريطاني شاب كان في الجيش في مصر حتى عام 1929 والذي لا تزال مهامه تأخذه أحيانًا إلى الثكنات.

 

ظلت الأفكار التي نادت بها لجنة التطهير  من القضاء على الجنس التجاري عن طريق التعليم الأخلاقي تتردد في الفكر المصري طيلة السنوات التالية، وكذلك شغلت المعضلات الطبية والإجتماعية العقل المصري الذي انقسم بدوره بين المُنظمين والهدامين، حتى انتصر الهدامون وتم المنع التام للجنس التجاري في مصر بالأمر العسكري رقم ٧٦ لسنة ١٩٤٩ بهدم جميع بيوت الجنس التجاري، ولكن هذا كان فصلا واحدا من فصول الجنس التجاري والصحة الجنسية في مصر اكتشفنا فيه هذه العلاقة المتوترة بين الجنس التجاري والجيوش ومتى بدأت، وفي المقالة القادمة سنستعرض فصلًا آخر عن أحوال العاملات بالجنس التجاري الصحية بالتفصيل تحت ضوء شهادة من دكتور أمراض تناسلية عاش في عشرينات القرن الماضي وشهد خباياه.

 

 

المصادر:

 

(1) البغاء في القاهرة خلال العصر العثماني (١٥١٧-١٧٩٨م) د. حامد عبد الحميد مشهور

(2) Khaled Fahmy,  “Prostitution in Egypt in the Nineteenth-Century,” in Outside in: On the Margins of the Modern Middle East, ed.

(3) مجتمع القاهرة السري (١٩٠٠-١٩٥١م). د. عبد الوهاب بكر

(4) Let down the curtains around us” : sex work in colonial Cairo 1882-1952

 

0